Qawāʿid al-aḥkām fī maṣāliḥ al-anām
قواعد الأحكام في مصالح الأنام
Publisher
مكتبة الكليات الأزهرية
Publisher Location
القاهرة
فِي أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ مُخْتَصٌّ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ، وَقَدْ خُولِفُوا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَجِّ بِالْأَعْذَارِ، فَإِنَّ الْإِحْصَارَ عِنْدَ الْمُعْتَبَرِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِإِحْصَارِ الْأَعْذَارِ، وَالْحَصْرُ مَوْضُوعٌ لِحَصْرِ الْأَعْدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ هُمَا لُغَتَانِ فِي حَصْرِ الْأَعْدَاءِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةُ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَكُنْ إحْصَارَ عُذْرٍ وَإِنَّمَا كَانَ إحْصَارَ عَدُوٍّ؟ قُلْنَا: فَإِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى إحْصَارِ الْعُذْرِ بِمَنْطُوقِهَا، وَعَلَى إحْصَارِ الْعَدُوِّ بِمَفْهُومِهَا فَتَنَاوَلَتْ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَنَبَّهَتْ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ بِحَصْرِ الْأَعْذَارِ أَوْلَى مِنْ التَّحَلُّلِ بِحَصْرِ الْأَعْدَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَرَنَ بِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْأَعْدَاءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَالْأَمْنُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي زَوَالِ الْخَوْفِ مِنْ الْأَعْدَاءِ دُونَ زَوَالِ الْأَمْرَاضِ وَالْأَعْذَارِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْحَصْرِ أَوْلَى يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ، وَإِنْ جَعَلْنَا حَصَرَ وَأَحْصَرَ لُغَتَيْنِ دَلَّ أَحْصَرَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَرَجَعَ لَفْظُ الْأَمْنِ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وَقَالَ فِيهَا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، فَإِنَّ مَنْ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَبْقَى فِي بَقِيَّةِ عُمْرِهِ حَاسِرَ الرَّأْسِ مُتَجَرِّدًا مِنْ اللِّبَاسِ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ النِّكَاحُ وَالْإِنْكَاحُ، وَأَكْلُ الصَّيُودِ وَالتَّطَيُّبِ وَالْأَدْهَانِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَلُبْسِ الْخِفَافِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ،، وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ رَحْمَةِ الشَّرْعِ وَرِفْقِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ.
2 / 14