لقد غادر الركبان حين تحملوا ... "بروذة" شخصًا لا جبانا ولا عمرا
فقل لزبيد بل لمذجح كلها ... رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمرا
فإن تجزعوا لا يغن ذلك عنكموا ... ولكن سلوا الرحمن يعقبكم صبرا١
وتذكر بعض الروايات: أن شاعرنا عمَّر بعد نهاوند حتى شهد صفين، ومات في عهد معاوية. ولكن هذه الرواية تبدو مدفوعة إلى المغالاة في امتداد عمره، ولو صح أنه شهد القادسية وهو ابن مائة وعشر -كما يروي أبو عبيدة- فإنه يكون قد مات وعمره قرن ونصف، والصحيح الذي يمكن أن يتفق وكثرة الروايات الموثوق بها أنه مات مفلوجًا بروذة كما تقدم٢.
١ أسد الغابة ج٤، ص١٣٤، الاستيعاب ص٣٥٢.
٢ أسد الغابة ج٤/ ١٣٤، الإصابة ج٥/ ٢٠، ابن قتيبة ج١، ص٢٣٤، الأغاني ج١٤/ ٣١، ذيل الأمالي ج١/ ١٤٤.
٢- شعره في الجاهلية:
لسنا نعرف على وجه اليقين أو الظن الوقت الذي بدأ فيه عمرو الشعر، فإن شعره لا يدلنا على شيء من هذا، والروايات التي تروى عنه لا تتعرض لهذا الجانب، وكأنما وجد -هكذا- شاعرًا.
وليس لعمرو ديوان يجمع أشعاره مرتبة، أو مؤرخة بمناسباتها، أو غير مرتبة ومؤرخة. وإنما نستطيع أن نعرف على وجه التقريب حدًّا فاصلًا بين شعره في الجاهلية وشعره في الإسلام، وإن قابلتنا في سبيل ذلك مشكلات؛ سببها أن حياته قد ضخمت، بفعل الروايات التي كادت تجعل منه بطلًا من أبطال الأساطير، بما حشد فيه من جوانب البطولة، وتصوير ما أوتي من قوة خارقة، وما جبل عليه من عبث، وسبب آخر هو: تشابه حياته في الجاهلية بحياته في الإسلام، بما طبع عليه من حب شديد لنفسه واتخاذه منهاجًا خاصًّا لحياته، غير متقيد فيه بشيء من تعاليم الإسلام.
وأول ما يطالعنا في شعر عمرو لأول وهلة: قلة مجموع هذا الشعر، وحتمي أن يكون قد ضاع منه الكثير، فكونه زبيديًّا من أهل اليمن لا يبرر قلة شعره على هذه الصورة رغم ما يبدو في طبعه من ثراء وخصب.