يؤثر على نفسه:
والمسلم الحق الذي ارتوت نفسه من مناهل الإسلام يؤثر على نفسه، ولو كان مقلا به خصاصة (١)؛ ذلك أن الإسلام طبع أبناءه بما ساقه لهم من هدي على الإيثار، حتى أصبح الإيثار خليقة أصيلة من خلائق المسلم الحق، بها يعرف ويتميز عن غيره من الناس.
ولقد كان الأنصار رضوان الله عليهم الرواد الأوائل للإيثار بعد الرسول الكريم، إذ نزل فيهم قرآن يتلى، يشيد بإيثارهم الفريد على وجه الزمان، الذي جعلهم منارة خالدة للأجيال الإنسانية، تعلمها كيف يكون الجود، وكيف يكون الإيثار، وذلك حين استقبلوا إخوانهم المهاجرين الذين لا يملكون شيئا، فأعطوهم كل شيء (٢):
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
ولقد كانت حياة النبي ﷺ حافلة بالإيثار، وبذلك أصله في نفوس المسلمين الأوائل، وركزه في طبائعهم وعاداتهم؛ فعن سهل بن سعد ﵁ أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال فلان: اكسنيها، ما أحسنها! فقال: «نعم»، فجلس النبى ﷺ في المجلس، ثم رجع فطواها. ثم أرسل بها إليه. فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها
(١) أي فقر.
(٢) انظر إيثار الأنصار ص: ١٦٨.
(٣) الحشر: ٩.