الذي أشفى منه على الموت، فقال: يا رسول الله ان لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: الثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير» ثم عقب النبي ﷺ على ذلك بقوله: «إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» (١).
ولقد كان الرسول الكريم ﷺ مثالا مجسدا للكرم المحض الأصيل ما عرف عنه أنه أمسك يده عن عطاء، ولا رد سائلا تعرض له بسؤال، يحكي ذلك عنه الصحابي جابر ﵁ فيقول:
«ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط، فقال: لا» (٢).
كان صلوات الله عليه يدرك ما للمال من أثر في نفوس البشر. فيتخذه وسيلة لتأليف القلوب واستمالتها للإسلام، ولا يستكثر أن يبذل الكثير الكثير في سبيل كسب جديد إلى صف الدعوة، وإنه ليعلم أن هذا الذي تطلع إلى المال أول الأمر، سيأخذه الإسلام متى دخل في غمار هديه، فيجعله من أشد الناس إيمانا، ومن أحسنهم إسلاما، وهذا ما يحدثنا به الصحابي الجليل أنس بن مالك إذ يقول:
«ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا! فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٣).
(١) رواه البخاري وغيره.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه مسلم.