والمسلم الصادق المرهف الذي يتأمل هذا النص الثابت، لا يصبر على
هجرة أخيه ومخاصمته مهما تكن الأسباب، بل يسارع إلى مصافاته والتسليم عليه، لأن خيرهما الذي يبدأ بالسلام، فإن رد ﵇ اشترك الاثنان في أجر المصالحة، وإن لم يرد عليه، فقد برئ المسلم من إثم القطيعة والهجر، وباء الممتنع عن رد السلام وحده بالإثم، وهذا ما يوضحه حديث أبي هريرة القائل: سمعت النبي ﷺ يقول:
«لا يحل لرجل أن يهجر مؤمنا فوق ثلاتة أيام، فإذا مرت ثلاثة أيام فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة (١») (٢).
وكلما زادت مدة المصارمة والهجر زاد الإثم وكبرت الخطيئة واشتد الوعيد للمتصارمين المتنازعين؟ فقد قال النبي ﷺ:
«من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» (٣).
إن منهج الإسلام في تربية النفوس قائم على التحابب والتقارب والتآلف، ومن هنا لا تباغض ولا تحاسد ولا تدابر في حياة المسلم الصادق، وكيف يكون في حياته شيء من هذه الخلائق الوضيعة، وصوت النبوة يسكب في سمعه أروع منهج للأخلاق عرفته البشرية منذ أن كان إنسان على ظهر الأرض بقوله:
«لا تقاطعوا، ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله» (٤).
(١) أي من إثم الهجرة.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٤) رواه مسلم.