311

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني أبو محمد يحيى بن محمد ، قال : حدثني أبو اسحاق ابن أحمد القراريطي قال : حدثني ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان ، قال : كان أبي أبو الهيجاء شديد الانحراف عني أول نشوي ، لما يراه من الفضل في ، وخوفه مني على أعماله . فكان يغض مني ، ويتجافاني ، ويمسك يده عني ، فأتحمل ذلك ، وأصبر عليه . فولي طريق خراسان ، فجلس يعرض دوابه ، فبقي منها خمسين دابة ، ما بين زمن وأعجف ، إلى غير ذلك . ثم قال : يا حسن ، أريد أن أخرج بعد شهرين إلى العمل ، وهذه الدواب مسلمة إليك ، وقد رددت أمرها إليك ، لأجربك بها في الأمور الكبار . فإن قمت بها حتى تصح وتبرأ وتسمن ، وكان فيك فضل لذلك ، علمت أنك تصلح لما هو فوقه ، وإن لم تصلح على يدك ، فهو أول عمل رددته إليك من أمري وآخره ، فعجبت من أن أول عمل أهلني له ، أن أكون سائس دواب ، ولم أجد بدا من الصبر . فقلت : السمع والطاعة . وأخذت الدواب ، وأفردت لها اسطبلا ، وجعلت لنفسي فيها دكة ، واستأجرت لها سواسا ، وأدرت أرزاقهم ، وطالبت بأشد الخدمة ، وكنت أحضر أمر الدواب دفعات في اليوم ، حتى توقح وتعالج وتسمن ، وأفردت بياطرة فرها لذلك . فما مضى عليها إلا شهر وأيام ، حتى صحت وسمنت ، وصارت على غاية الحسن . وأزف خروجه ، فقال لي : يا حسن ما فعلت بتلك الدواب ؟ فقلت : قم إلى الإسطبل حتى تراها . فقام ، فرآها في غاية الحسن ، فسر بذلك ، وأعجبه ، وأثنى علي ، وقال : يا حسن ، هوذا أعلمك بدل قيامك بهذا الأمر شيئا تنتفع به ، وفيه قضاء لحقك ، بقدر ما أتعبتك فيه . فقلت : قل ، يا سيدي . قال : إذا رأيت السلطان قد رفع من أهلك رجلا ، أو الزمان قد نوه به ورأسه ، فإياك أن تحسده ، وتشغل نفسك بعداوته ، فإنك تتعب ، ولا تصل إلى فائدة ، وتسقط أنت ، ولا يضر هو ، وتغنم أنت ، ولا يتآذى هو ، وتغض من نفسك بغضك من رجل صار كبيرا من أهلك ، فإنه ما ارتفع إلا بآلة فيه ، يدفعك بها ، أو إقبال يدفعك عنه ، واجهد أن تخدمه ، وتصافيه الود ، ليكون ذلك الفضل الذي فيه ، فضلا لك ، وذلك الفخر راجعا إليك ، وتتجمل بثنائه عليك ، وإطرائه لك ، وتصير أحد أعوانه ، فإنه أحسن بك من أن كون من أعوان غيره ممن ليس من أهلك ، ويراك الناس عنده وجيها ، فيكرمونك له ، فإن كان له منزلة من السلطان جاز أن تصل إليها باستخلافها إياك عليها ، وانتقاله إلى ما هو أكبر منها ، وكذلك إن كانت منزلته من غير سلطان ، فلا تقل أنا أقعد منه في النسب ، وأني خير قرابته ، وهذا أمس كان وضيعا ، وكان دوننا ، فإن الناس بأوقاتهم . فقلت : نعم يا سيدي . قال : ثم أقبل علي ، وونسني ، وولد لي في نفسه ، القيام على تلك الدواب ، منزلة . فقال : اخرج معي إلى العمل . وخرج فخرجت معه ، وكنت أسايره إلى حسر النهروان وأحادثه ، فولد ذلك الانبساط في نفسي طمعا فيه ، وأن أسأله شيئا . فذكرت بجسر النهروان ، أن له ضيعة جليلة عظيمة ، بنواحي الموصل ، يقال لها : النهروان ، كنت أشتهيها . فقلت له : يا سيدي قد كثرت مؤونتي ، وتضاعفت نفقتي ، فلو وهبت لي النهروان ضيعتك ، لأستعين بغلتها على خدمتك ، ما كان ذلك منكرا . قال : فحين سمع هذا ، تغيظ غيظا شديدا ، وأقبل يشتمني أقبح شتيمة ، وقال : يا كلب ، سمت بك نفسك إلى أن تمتلك النهروان ؟ وقنعني بالسوط الذي كان في يده ، وهو مفتول كالمقرعة ، فوقع السوط على وجهي ، فشجه من أوله إلى آخره ، وأحسست بالنار في وجهي ، وورد ذلك على غفلة ، فتداخلني ألم عظيم ، وغيظ مما عاملني به أشد من الألم . وقلت في نفسي ، ما كان هذا جوابي ، وقد كان يقنعه أن يردني ، ولكن نيته لي فاسدة بعد . وقصرت عن مسايرته ، ولحقني غلماني ، فوقفوا معي ساعة ، حتى صلحت قليلا ، وسار هو ، ففتلت رأس دابتي ، وأنفذت من رد بغلين كانا لي في السواد ، عليهما قماشي وثيابي وغلماني ، ورجعت أريد بغداد ، وأنا وقيذ من الألم والغيظ حتى وردت بغداد . وكان الوزير إذ ذاك علي بن عيسى ، وهو في غاية العناية بأبي ، وهو قلده العمل ، وكان يحبني ، ويكرمني ، ويختصني ، ففكرت أن أدخل إليه ، أشكو أبي ، وأريه الأثر الذي بي . فقصدت دارنا ، فأدخلت البغلين والقماش إلى الدار ، ولم أنزل ، وتوجهت إلى دار الوزير . فحين نزلت عن دابتي ، وصرت في الصحن ، ذكرت وصية أبي لي في أمر الأهل ، وندمت على دخول دار الوزير ، وقلت : لأن أقبل الوصية في أبي ، أولى من قبولها في الأهل ، فعملت على أن أغالط الوزير ، ولا أعرفه . وجئت فسلمت على الوزير ، ووقفت بين يديه ، ولم تكن عادتي تجري بالجلوس بحضرته . فحين رآني أعظم الأثر الذي في وجهي ، وقال : ما لحقك ؟ وأنكره ، لأنه كان قبيحا جدا . فقلت : لعبت بالصولجان والكرة ، فأفلتت ، فضربت وجهي . فقال : أليس كنت قد خرجت مع أبيك ، فلم رجعت . فقلت : خرجت مشيعا ، فلما بعد ، عدت لألزم خدمة الوزير . قال : فأخذ يسألني عن مسير أبي ، فإذا بأبي قد دخل ، وإذا هو لما رجعت من الطريق ، وبلغه خبر رجوعي قد اغتاظ ، فرجع ، إما ليردني ، أو ليقبض علي ، وجاء إلى داره ، فعرف أني لم أنزل ، وأني توجهت إلى دار الوزير ، فلم يشك في أني قد مضيت أشكوه . فجاء ، فوجدني أخاطبه ، فتحقق ذلك عنده ، فجلس . فقال له الوزير : ما ردك يا أبا الهيجاء ؟ فقال : أيها الوزير ، ما هذا حق خدمتي لك ، ومنا صحتي إياك ، وانقطاعي إليك ، وأخذ يعتب على الوزير أعظم عتب ، وأنا قائم ، ساكت ، أسمع . فقال له الوزير : ما هذا العتب علي ؟ أي شيء عملت ؟ فقال : تمكن هذا الكلب من ذكري بحضرتك ، والتبسط في . فقال : من تعني ؟ فقال : الحسن ، هذا القائم ، فعل الله به وصنع . فقال له الوزير : يا هذا قد وسوست ، أي شيء كان أول هذا ؟ والله ، ما نطق هذا الفتى في أمرك بحرف ، ولا سمعت قط ذكرك بما يوجب عتبا عليه ، وكيف علي في تمكيني منه ، ولو فعل ذلك ، لغض بي عندي من نفسه . فاستحيا أبي ، وعلم أني لم أخاطب الوزير بشيء ، وأمسك . فقال له الوزير : لا بد أن تحدثني بما بينكما ، فإنك ما حملت نفسك على الرجوع ، إلا لأمر عظيم ، وهو ذا أرى الحسن أيضا به أثر قبيح ، وقد سألته ، فقال : إن كرة أفلتت من يدي غلمان ضرب معهم بالصولجان فأصابت وجهه ، فوقع لي أنه صادق ، فلما جئت الآن ، وقدرت أنه قد شكاك ، وقع لي إن هذا شيء من فعلك ، ولا بد أن تصدقني . قال : فقص عليه أبو الهيجاء القصة ، كما جرت . فأقبل عليه علي بن عيسى ، وقال : أما تستحي يا أبا الهيجاء ، أن يكون هذا قدر حلمك عن ابنك ، وأكبر ولدك ؟ فإذا كنت بهذا الطيش معه ، فكيف تكون مع الغريب ؟ وأي شيء كان في مسألته لك أن تهب له ضيعة ؟ ولو فعلت ذلك ، ما كان ذلك بدعا من بر الآباء بأولادهم . ولما لم تسمح له بذلك ، قد كان يجب أن ترده ردا جميلا ، أو قبيحا إذا اغتظت ، وأما أن تبلغ به ضرب السياط ، آه ، آه . قال : وزاد عليه في العتب والتوبيخ ، وهو مطرق مستحيي . حتى قال له : وليس العجب من هذا ، حتى رجعت من عملك ، غيظا عليه ، وقدرت أنه قد شكاك إلي ، وأني أطلق له أن ينقصك ، فجئت عاتبا علي ، لوهم توهمته فيه . قال : فأخذ أبي يعتذر إليه من ذلك . فقال : والله ، ما أقبل عذرك ، ولا تنغسل عن نفسي هذه الآثار ، إلا بأن تشهد لحسن بالضيعة ، وتهبها له ، جزاء عن ظلمك إياه . | فقال : السمع والطاعة لأمر الوزير . فقال لي علي بن عيسى : انكب على رأس أبيك ويده فقبلهما . قال : ففعلت ذلك . وجذب علي بن عيسى دواته ودرجا ، فأعطاهما أبا الهيجاء ، وقال : اكتب له بالضيعة ، إلى أن تشهد ، فكتب أبي بالضيعة لي . وقال الوزير : خذ ، خذ ، فإذا عاد إلى البيت ، فاكتب عليه العهد بالوثيقة ، وأشهد عليه جماعة من العدول ، فإن امتنع عرفي حتى أطالبه لك بذلك . قال : وخرجنا ونحن مصطلحون . فلما صرنا في الدهليز ، قال أبي : يا حسن أنا علمتك على نفسي ، بالوصية التي وصيتك بها ، كأني بك وقد جئت لتشكوني ، فلما صرت في الدهليز ذكرت وصيتي لك ، فقلت : لأن أستعملها مع أبي ، أولى بي ، فلما صرت في مجلس الوزير ، قلت له ما قلت ، ولم تشكني إليه . قلت : والله يا سيدي كان . فقال : إذا كان فيك من الفضل ما قد حفظت معه وصيتي ، في مثل هذه الحال ، فما ترى بعدها مني ما تكرهه . فقبلت يده ، وعدت معه إلى دارنا . فسلم إلي الضيعة ، وأشهد بها لي ، وصلحت نيته بعد ذلك ، واستقامت الحال بيننا . وكان قبول تلك الوصية أبرك شيء علي .

Page 341