287

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني أبو القاسم الجهني ، قال : جرى بيني وبين محمد بن خلف ، القاضي وكيع ، ملاحاة في شيء ، بحضرة أبي الحسن بن الفرات ، فولدت بيننا عداوة ، فبحثت عن عيوبه . فبلغني أن له أبا ساقطا في أصحاب الصناديق بباب الطاق ، فركبت حتى جئت إليه ، فرأيته يعمل الصناديق بيده ، وفاتشته ، فإذا هو أسقط رجل ، وأجهله . وانصرفت فكاتبت جماعة من وجوه الشهود بالجانين ، وأشرافهم من البطنين ، وأكابر التجار والكتاب والتناء ، وواعدتهم بحضور مسجد هناك كبير ، فحضر خلق كثير . وركبت ، فحين حصلت هناك ، قلت : علي بخلف الصناديقي ، فجاءوا بالشيخ كما أقيم من العمل ، وآلته معه ، ويده ملوثة ، كما كنت وصيتهم . فقلت لهم : أعزكم الله ، إني كنت سألتكم الحضور لأخاطب هذا الشيخ بحضرتكم بشيء آخذ خطوطكم به ، فاحفظوا ما يجري . ثم قلت : يا شيخ ، من أنت ؟ قال : أنا خلف بن فلان . قلت : وكيع قاضي ، من هو منك ؟ قال : ابني . فقلت لمن حضر من شيوخ المحلة : هو كما قال ؟ فقالوا : نعم . قلت : أنت بهذه الصورة مع اتساع حال ابنك ؟ قال : لأنه عاق بي ، فعل الله به وصنع ، ودعا عليه . فقلت له : يا شيخ ، تحفظ القرآن ؟ قال : أحفظ منه ما أصلي به . فقلت : تحسن شيئا من القراءات ؟ قال : لا . قلت : وكتب الحديث قط ؟ قال : لا . قلت : رويت من الأخبار ، والآثار ، والآداب ، والأشعار شيئا ؟ قال : لا . فلم أزل أعدد عليه العلوم وأصنافها ، وهو يقول لا ، لا . قلت : فتحسن شيئا من النحو أو العروض أو المنطق ؟ قال : لا . فقلت : أعزكم الله ، إن وكيعا رجل كذاب ، متعاط العلم والأدب ، ولم آمنه في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكذب في العلوم ، وأن يجعل ذلك طريقا متى مات هذا الشيخ ، فيقول : حدثني أبي ، وأخبرني أبي ، ويضع على لسانه كل كذب . فأردت أن تحفظوا على هذا الشيخ ما ذكره من أنه ليس من هذا الأمر ، ولا إليه ، حتى لا يمكنه ادعاء ذلك عليه بعد موته ، وأن تعرفوا أيضا فسقه بعقوقه والده ، وسقوط مروءته ، بتركه أباه على هذه الحال . قال : فما فارقتهم حتى أخذت خطوطهم بما جرى ، على أشنع شرح قدرت عليه ، وأجابوا هم إليه . وصرت بالمحضر معي إلى مجلس الوزير ، وتركته في خفي ، وأجريت الحديث مع وكيع ، إلى أن شاغبته في الكلام ، وقلت : لا تسكت يا ابن الصناديقي الجاهل ، فامتعض . وأخرجت المحضر ، وعرضته على الوزير ، وسألته أن ينفذ ويستدعي أباه ويشاهده . فضحك الوزير ، وسقط وكيع من عينه . وقامت قيامته من يدي .

Page 314