284

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني أبو الحسين بن عياش رحمه الله ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، قال : لما وقع ببغداد ، حريق الجمل ، اختل دكاني فيما اختل ، وذهب مني مال عظيم . فقلت له : كيف كان حريق الجمل ؟ قال : اجتاز في سوق الخرازين ، جمل عليه قصب ، وكان رجل يثقب لؤلؤا ، وبين يديه نار ، فوقع طرف القصب على النار ، فاشتعلت وبلغت إلى الجمل في لحظة . فكان الجمل ، كلما أحس بوقع النار عدا ، وتنافض الشرار منه ، في جانبي الطريق ، فحرق كل ما يجتاز به . فلم يزل على ذلك ، إلى أن تلف الجمل ، وتشاغل الناس بطفي الحريق الواقع في الدور والعقار . فكان حد ما احترق ، من أول سوق الخرازين إلى طاق الحراني ، ووسط قطيعة الربيع . وتلف ناس كثير ، وزالت نعم عظيمة ، بذهاب الأموال ، ورؤوس أموال التجار ، وانهدام العقارات . قال : وكان هذا عقيب انتقال المعتصم إلى سر من رأى ، فهم الناس بالانتقال عن بغداد ، وإن تخرب ، فبلغ ذلك المعتصم . قال : فخاطبه أبو عبد الله أحمد بن أبي داؤد ، في إطلاق مال للناس . فقال المعتصم : خذ خمسة آلاف ألف درهم ، وأخلف بها جميع ما ذهب من الناس . فأخذ ابن أبي داؤد المال ، وجاء فجلس في مجلس الشرقية ، واجتمع إليه الناس ، فعرفهم علم الخليفة بأمرهم ، وما كان منه في خطابه ، وما أنفذ معه من المال ، فقال : ولم يذكر مبلغه ، إلا أنه قال : قد حملت من المال ما أخلف به ، جميع ما ذهب من جميعهم . قال : وكنت حاضرا المجلس ، أسمع الكلام . فقام إليه شيخ كان حاضرا ، فقال : أيها القاضي ، إن هذا مال عظيم ، فكم أنفذ إلينا أمير المؤمنين معك ؟ فقال : خمسة آلاف ألف درهم . فالتفت الشيخ إلى نفسين في المجلس ، فقال : قوما ، فقاما . فقال أيها القاضي هذان ، قد ذهب منهما ، في أثمان عقاريهما ، ورؤوس أموالهما ، خمسة آلاف ألف درهم ، أليس هكذا يا معشر المسلمين ؟ واستشهد الحاضرين ، فقالوا : نعم . فقال : أيها القاضي ، إذا كان هذان ، وهما نفسان ، من جميع من قد حضر ، قد ذهب منهما قدر ما حمله أمير المؤمنين ، فالباقون من أين يأخذون ؟ قال : فتحير ابن أبي داؤد ، وقال : ما ترون في هذا ؟ فقالوا : الرأي لك . قال : فقال أولئك النفسان : أما نحن ، فما نريد شيئا ، ولا نسأل الخلف ، إلا من الله عز وجل ، ولا نطلبه إلا مكن فضله ، ولكنا نشير عليك أيها القاضي ، فقال : افعلا . قالا : تجعل هذا المال ، مقسوما بين أهل البضائع اليسيرة ، وصغار الناس ، فإن رغب أحد من الأكابر ، في أن يشارك الأصاغر فيه ، فإن ذاك إليه وإليك . قال : فقام خلق كثير ، فقالوا : أما نحن ، فما نريد شيئا ، اجعله للأصاغر ، وانصرفوا . ففض المال ، على أرباب البضائع اليسيرة ، ثم لم يكف ، واحتيج لهذا إلى أضعاف ما حمل من المال . فلما نفذ المال ، خرج ابن أبي داؤد ليلا ، لكثرة الازدحام عليه ، والطلب منه ، ونفاذ ما عنده .

Page 311