عطرا وشرابا ومالا حدثني أبو محمد أيضا ، قال : حدثني أبو أحمد أيضا ، قال : غدوت في بعض الأيام إلى حضرة الوزير أبي علي بن مقلة ، وأنا في بقية خمار ، وقد خلفت في داري هذه الجارية . فلما مضى من النهار ساعتان ، عن للوزير قطع العمل ، والتشاغل بالشرب . فقطعت من رأس الدرج ، قطعة ، وكتبت فيها إلى أخي ، آمره باحتباس الجارية ، وبإعداد أشياء رسمتها له ، وأعلمته أنني على أثر الرقعة ، مع تشاغل الوزير بالأكل ، وعملت على الاحتجاج للوزير بالخمار ، والوزير يلحظ ما أكتبه ، ويقرؤه ، وأنا لا أعلم . وسلمت الرقعة إلى غلامي ومضى بها إلى منزلي . فلم يكن بأسرع من أن نهض الوزير ، واستدعى المائدة ، وأمرني بالأكل معه ، فامتنعت ، واحتججت بعظم الخمار ، وأنني لا أقدر على شم الطعام ، فضلا عن أكله . فألح علي فألححت في الامتناع . فاستدعى عملا كان بين يديه ، وأخرج منه عدة كتب ، وأمرني بالانفراد ، والإجابة عنها . فورد علي من ذلك ما أقلقني ، ولم أعلم غرضه ، ولا أنه يستدعيني إلى الطعام ، ويشير علي بالدخول معه في ذلك الأمر ، وتأخير الكتابة إلى غد ، وأنا مقيم على شكوى الخمار ، وتعذر الأكل علي . إلى أن فرغت من الكتب ، وقد توسط أكله ، وجئت بها مقدرا أنه يأذن لي في الانصراف . فقال : قد تبقى من مدة أكلنا ، ما تبلغ به وطرك من الطعام ، فاستخر الله وساعدنا . فأقمت على الامتناع . فاستدعى عملا ثانيا ، وأخرج منه عدة كتب أخر ، وقال لي : إذا كنت غير داخل معنا في أمرنا ، فأجب عن هذه أيضا . فورد علي أعظم من الأول ، وانفردت للإجابة ، إلى أن فرغت منها ، مع فراغه من الأكل . وجئت بالكتب فعرضتها عليه ، وأنا لا أشك في الانصراف . فقال لي : لست أشك في تصرم خمارك ، فاستدع ما تأكله ، والحق بنا . فأقمت على الامتناع . فاستدعى عملا ثالثا ، ليشغلني بشيء ، وتبسم . فقلت له ما هذه الحاجة الداعية إلى اتصال العمل علي في هذا اليوم . فقال : قد قرأت رقعتك إلى أخيك ، من ظهرها . فعرفت من حيث أتيت ، فضحك وضحكت . وأمر بإحضار مائتي دينار ، وعشرين دنا من الشراب العتيق ، وسلم ذلك إلى غلامي ، ثم أمر بإحضار صندوق صغير له ، فيه طبب ، فقدم إلى حضرته ، ومنديل دبيقي ، وجعل فيه من الصندوق ، من الند كفا ، ومن العود المقلي كفا ، وكذلك من الكافور والمسك ، مثل ذلك ، واستدعى قدحا ، فجعل فيه أوراق غالية ، ووضعه في المنديل ، وختمه بخاتمه . وقال : إمض فأنفق هذه الدنانير ، وشرب الشراب ، وتبخر بهذا البخور . فأخذت جميع ذلك ، وانصرفت .
Page 288