257

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش ، وأبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش الطائي الجوهري البغدادي ، وجمعت خبريهما ، قالا : كان أبو عصمة العكبري الخطيب ، غالبا على أبي القاسم بن الحواري ، وكانت منزلته في الطيبة مشهورة ، قال ، فحدثنا : أن أبا عمر خطب لابن رائق الكبير ، على ابنة قيصر الكبرى ، فأطال وأبلغ ، وكان يوما حارا . فلما انقضت الخطبة ، قيل له : اخطب على البنت الأخرى ، للابن الآخر . فكره الإطالة ، لئلا يضجر الخليفة ، وأراد التقرب إليه ، فحمد الله سبحانه بكلمتين ، ثم قرأ آية من القرآن ، وعقد النكاح . فنهض المقتدر مبادرا لشدة الحر ، ووقع ذلك عنده ألطف موقع لأبي عمر . قال : فعاد ابن الحواري إلى داره ، وجئت ، فجلست عنده أحدثه ، وأتطايب له ، وأغمز رجله . فقال : جرى اليوم لأبي عمر القاضي كل جميل ، ووصفه الخليفة ، وقرظه ، واستحسن إطالته في الخطبة الأولى وإيجازه في الثانية ، وقال : مثل هذا الرجل ، وفيه هذا الفضل ، لم لا نزيد في الإحسان إليه ؟ فقررت مع الخليفة ، بأن يزيده في أعماله وأرزاقه ، كذا وكذا ، فأمرني بتنجيز ذلك له من الوزير . قال : وكان ابن الحواري ، صديقا لأبي عمر . فلما سمعت ذلك ، دعتني نفسي إلى أن أستبق بالخبر ، إلى أبي عمر ، لأستحق البشارة ، وأتقرب إليه . وطال علي الوقت ، حتى نام أبو القاسم ، فركبت دابتي ، وجئت إلى أبي عمر ، فأنكر مجيئي ذلك الوقت ، وعلم أنه لمهم ، فأوصلني ، فجلست ، وهنأته ، وحدثته بالحديث على شرحه . فقال أبو عمر : أطال الله بقاء أمير المؤمنين ، وأحسن الله جزاء أبي القاسم ، ولا عدمتك . فاستقللت شكره ، وولد لي فكرا ، مع ما بان لي في وجهه من التعجب مني . فلما خرجت ندمت ندما شديدا ، وقلت : سر السلطان ، أفشاه إلى رجل عنده فوق الوزير ، فباح ذلك الرجل به بحضرتي وحدي ، لا يسره عني ، ولعله هو ، أراد أن يعتد به على أبي عمر ، بادرت أنا بإخراجه ، إن راح أبو عمر فشكره على ذلك ، أو ذاكره به ، فعلم أن ذلك من فعلي ، بأي صورة يتصورني ؟ أليس يراني بصورة من خرج بسر ؟ وإخراج السر ، في الخير والشر ، والفرح والغم ، والجيد والرديء ، واحد ؟ إن أداه ذلك إلى استثقالي واحتشامي ، أليس في هذا انتقاص معيشي وخيري ؟ ثم إن حجبني عنه ، من يوصلني إليه ؟ ومن يرغب في استخدامي بعده أو يدخلني داره ؟ أوليس ينتشر في البلد ، إنه طردني ، لأنني أفشيت له سرا ، لا يدري ما هو . ليس إلا أن أرجع إلى أبي عمر ، فأسأله كتمان ذلك . قال : فرجعت من حيث قدمت لي دابتي ، ولم أركب . فحين وقع ناظر أبي عمر علي ، قال لي : يا أبا عصمة ، ولا حرف ، ولا حرف . قال : فكأنه حسب ما حسبته لنفسي ، وعلم ما علمته ، مما طرأ علي ، فلما رآني قد استدركت ذلك ، علم أني ما رجعت إلا لأسأله كتمان هذا ، فبدأني بما قاله ، فشكرته وانصرفت ، ولم اجلس . وقد أخبرني أبو الحسين بن عياش رحمه الله ، بهذا الخبر ، عن أبي عصمة ، ولم يذكر فيه حديث الخطبة ، ولا أي شيء كان السر ، وهذا الحديث أشرح ، فأوردته هكذا . ؟

Page 280