250

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

كتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي ، إلى الأمير أبي تغلب فضل الله بن ناصر الدولة ، عند اعتقاله أخاه أبا الفوارس محمد ، لخوفه منه ، وحمله إياه إلى القلعة مقيدا ، وحبسه فيها ، وذلك في شعبان سنة وستين وثلثمائة ، في الليلة الثامنة منه . وكتب أبو محمد ذلك ، لما بلغه الخبر ، بمحضر منا ، كالارتجال ، بغير فكر طويل ، ولا تعمل شديد ، نسخته : من اختاره الله تعالى لجليل الأمور ، واصطفاه لحراسة الأمة وحماية الثغور ، وخصه بنفاذ الرأي فيما يحله ويعقده ، ونصره على كل عدو يرصده ، وكفاه كيد من يبغي عليه ويحسده ، وقرن عزماته بالصواب في جميع ما يمضيه ، وبلغه في الدنيا ما يرتجيه ، وجعل ما يبرمه مطردا على التوفيق ، وذاهبا مع السداد في أجمل طريق ، معونة له على ما اسنده - جل ذكره - إليه ، وحفظا للملة ، وذبا عنها على يديه ، لا سيما إذا كان مقدما لتقوى الله سبحانه ، في سائر أفعاله ، مؤثرا لرضاه تعالى ، في جميع أحواله ، غير خارج عن حدوده في تدبير ، ولا ناكث عن صراطه في صغير ولا كبير . والحمد لله الذي خص مولانا الأمير السيد ، أطال الله بقاءه ، من هذه الأوصاف الشريفة ، والأخلاق المنيفة ، بما فضله به على ملوك الزمان ، وأنطق بذكره وشكره كل لسان ، وجعل القلوب كلها ، شاهدة به ، والآراء علي اختلافها ، متفقة عليه . والحمد لله الذي جعل تدبيراته جارية على الصواب ، ماضية على سنن الكتاب ، محروسة من عيب كل عائب ، ثاقبة كالنجم الثاقب ، الذي لا يدفع عله دافع ، ولا ينازع في سموه منازع . وإياه نسأل ، كافة أولياءه ، وخدم دولته ، وإليه أرغب ، الرغبة التامة من بينهم ، في إيزاعه الشكر على ما أولاه ، وإلهامه حمده ، تقدست أسماؤه ، على ما خوله وأعطاه ، وأن يديم له شأنه وتسديده ، ويصل بالحق وعده ووعيده ، ويحسن من كل نعمة وموهبة ، حظه ومزيده ، ويجعل قوله مبرورا ، ووعده مقهورا ، وفعله مشكورا ، وقلبه مسرورا ، ولا يخليه من جد سعيد ، إنه ولي حميد ، فعال لما يريد . وورد الخبر ، بما جرى من الاستظهار على من شك في مناصحته ووفائه ، وظهر في الدولة سوء رأيه ، بعقب تتابع الأنباء ، بما كان أضمره من الغدر ، وأضب عليه من قبح الأمر ، وبما نال منه من إعمال الحيلة على ثلم المملكة ، والسعي في تفريق الكلمة ، وإفساد البلاد ، وإخافة العباد ، ولم يصادف وروده ، إلا مستبشرا به ، مستنصبا له ، عالما بجميل صنع الله - عز وجل - في وقوعه ، شاكرا له على ما أبلاه ، وأولاه من المعونة عليه ، عارفا بأن مولانا الأمير - أدام الله تأييده - لم يأمر به ، وما وجد سبيلا إلى الصلاح ، إلا سلكها ، ولا ترك سبيلا إلى الاستصلاح إلا ركبها ، فلم يزده ذلك إلا تماديا في العصيان وغيا ، ومرورا في ميدان البغي وبغيا يحسن به العدول عن صلة الرحم ، بحكم الله عز وجل ، إذ جعل البغي في كتابه ، محلا للإخلال بحق النسب ، حيث يقول ، وهو أحسن القائلين ' إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون ' فبين سبحانه : إن الفحشاء ضد للعدل ، والمنكر مسقط للإحسان ، والبغي موجب لقطع القرابة ، وأوجب تبارك اسمه ، لمولانا الأمير - أدام الله عزه - النصر على الباغي ، بقوله عز من قائل ، ومن بغي عليه لينصرنه الله . على أن الذي أتاه مولانا ، أطال الله بقاءه ، في بابه ، لمواصلة الرحم أقرب ، ولأسبابها ألزم وأوجب ، إذ حال بينه وبين ما يؤثمه ويرديه ، وصرفه عما كان يفسد دينه ودنياه بالإيغال فيه ، ولم ينقله بذلك ، إلا إلى عيش رغد ، وأمر تام ، ونعمة دارة ، وحال سارة . والله يكافئ مولانا الأمير السيد أطال الله بقاءه على قدر نيته ، ويجازيه بجميل طويته ، ويبلغه من الدنيا بحسب حفظه فيها للدين ، ويكبت أعداءه بذبه عن المسلمين ، ويهنيه بنعمه عليه ، ويمتعه بمواهبه لديه ، ويرغم أعداه ، ويحمده بدء كل أمر وعقباه ، إنه جواد كريم ، سميع مجيب .

Page 272