حدثني إبراهيم بن الخضر ، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد ، قال : حدثني صديق لي أثق به ، قال : خرجت إلى الحائر ، فرأيت رجلا ، فرافقته في الطريق ، ولم أكن أعرفه ، وكان ذلك في أيام الحنابلة ، ونحن نزور متخفين . فلما صرنا في أجمة بانقيا ، قال لي رفيقي : يا فلان ، إن نفسي تحدثني إن السبع يخرج الساعة فيقرصني دونك ، إن كان ذلك ، فخذ حماري ، وقماشي ، فأده إلى منزلي ، في موضع كذا وكذا ، وعرفهم خبري . قال : فقلت : ما يكون إلا خيرا وسلامة . فما استتم الكلام ، حتى خرج سبع ، فلما رآه الرجل ، سقط ، وأخذ يتشهد ، وقصده السبع ، فما كذب أن أخذه ، وجره عن الحمار . فسقت أنا الحمار مع ما عليه ، وأسرعت حتى خرجت ، ولحقت بالقرية ، وعجبت من حدسه على نفسه ، وصدق ظنه ، ولحقني غم لفراقه ، وما جرى عليه . ورجعت إلى بغداد ، فحين دخلت ، لم تكن لي همة ، حتى استوصفت الموضع ، وقصدته ، فدققت الباب ، أسأل عنه ، فقلت لمن فيه : خذوا قماش صاحبكم ، رحمه الله . قالوا : قد خرج الساعة في حاجة له ، وهو حي والحمد لله ، فلم أشك في أني غلطت ، فقلت : من هو ؟ قالوا : فلان ، اسمه . فزاد تعجبي ، فجلست ، فما أطلت ، حتى طلع علي ، فحين رأيته طار عقلي جزعا ، وفرحا ، وتشككا ، فقلت : حديثك . قال : إن السبع ساعة جرني ، وأدخلني الأجمة ، هزني ، وسحبني ، فأنا لا أعقل . ثم سمعت صوت شيء ، فإذا بخنزير عظيم قد خرج ، فحين رآه السبع ، تركني ، وقصد الخنزير ، فدقه ، وأقبل يأكله ، وأنا أراه ، ومعي بقية من عقلي . فلما أن فرغ منه ، خرج من الأجمة ، وتركني ، وقد جرح فخذي جراحة خفيفة . فقمت ، فوجدتني أطيق المشي ، فأقبلت أمشي في الأجمة ، أطلب الطريق ، فإذا بجيف ناس ، وبقر ، وغنم ، وغير ذلك ، منها ما قد صار عظاما بالية ، ومنها ما هو طري . فانتهيت إلى خرق متمعطة ، ومخالي للفيوج مطروحة ، فسولت لي نفسي تفتيش ذلك . ثم وقفت على شيء مكور ، فإذا هو هميان ، ففتحته ، فإذا فيه ألف دينار صفر ، فأخذتها ، ولم أفتش الباقي ، وخرجت ، فما عرجت ، وعدت إلى منزلي ، فسبقتك . قال : وأخرج الدنانير ، فأراني إياها ، وكشف عن الجراحة ، فسلمت إليه ، متاعه وافترقنا .
Page 270