قال التنوخي : وأخبرني بعض شيوخنا ، عنه : أنه كان جالسا للحكم ، في المسجد الجامع بسوق الأهواز ، فاجتاز بباب الجامع عامل الكور ، فرأى جميع الناس . فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذا القاضي . قال : هذا كله لأبي جعفر ؟ فنقلت الحكاية إليه ، فقطع النظر ، وانصرف إلى داره ، وكتب إلى السلطان يومئذ ، يقول : إن فلانا العامل . اجتاز بي ، وأنا أنظر في الحكم في المسجد الجامع ، فذكرني بحضرة العامة ، بالكنية دون اللقب ، ذكر المزري علي ، المانع لي من التشريف الذي ألبسنيه أمير المؤمنين ، وإن الذي أنظر فيه إنما هو انتزاع أموال الناس ، التي فيها يتهالكون ، وعليها يتقاتلون ، وأنا أنتزعها بالهيبة والكرامة . فخرج أمر السلطان ، بإن يضرب ذلك العامل ، على باب المسجد بالأهواز ألف سوط . فلما وقف على ذلك ، خليفة العامل بالحضرة ، اجتهد في إزالته بكل حيلة ، فما أمكنه . فبذل للفيج الحامل للكتاب ، مائة دينار ، ليتأخر عن النفوذ ، ليلة واحدة ، ثم بادر برسوله إلى العامل ، يصف ما جرى ، وما فعله من استنظار الفيج ، ليقدم الحيلة في الدفع عن نفسه . فلما ورد الرسول إلى العامل ، نهض من وقته ، إلى بعض إخوان القاضي ، من شهود البلد ، وطرح نفسه عليه ، ولم يعلم باطن أمره ، وسأله إصلاح قلب القاضي له . فصار معه إلى باب القاضي ليلا ، ولم يزل حتى وصل إليه ، وأغرق في الاعتذار إليه ، والخضوع له ، حتى قال : قد قبلت العذر ، وصفحت عن الذنب ، فانصرف . فغاداه الفيج بما أمر به في بابه ، فقال : إني قد صفحت عنه .
جزاء الوالي الظالم
قال أبو الحسين محمد بن علي بن إبراهيم بن شعيب ، وحدثني القاضي أبو عبد الله الحسين بن شعيب الأرجاني ، وكان من شيوخ أهل العلم والرئاسة ببلده : إن عاملا للمكتفي رحمة الله عليه ، بكورة أرجان ، طالب بعض أهل الخراج بخراجه ، فتغيب عنه ، فأمر بإحراق بابه . فاتصل الخبر بالمكتفي ، فأنفذ من قبض على العامل ، فضربه على باب المسجد بأرجان ، ألف سوط .
Page 254