Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
وحدثني خال والدي ، أبو القاسم بن أبي علان ، عبد الله بن محمد ابن مهرويه . قال : أخبرني شيخ من شيوخنا ، قال : كان عمر بن فرج الرخجي ، يتقلدنا في الدفعة الأولى ، ثم صرف عنا ، وولينا عامل بعده . فخرجنا في بعض السنين نتظلم ، وكانت أملاك عمر عندنا كثيرة ، وله البستان المعروف بالتفرج قديما ، الذي في وسط البلد ، ويعرف الآن بالبستان الصغير . قال : فلما حصلنا بحضرة الخليفة نتظلم ، عارضنا عمر ، وأخذ يكلمنا بكلام عارف بالبلد ، محتج بحجاج صحيح يبطل به ظلامتنا . وكان المتكلم عنا ، فلان ، رئيسالبلد ، أسماه أبو القاسم وأنسيته ، فأومأ إلينا أن اسكتوا ، فسكتنا . فقال : أيد الله أمير المؤمنين ، قد أضجرناه اليوم بالخطاب ، فنعود في مجلس ثان . فقال : ذاك إليكم . فانصرفنا ، فقلنا له : ما حملك على هذا ؟ فقال : إنكم لا تعلمون ما علمت . قال : فلما كان عشيا ، جئنا إلى منزل عمر ، ودخل إليه ، ونحن معه ، فاستخلاه مجلسه ، فأخلاه . فقال له : يا هذا ، إنك أخذت اليوم تسعى على دمائنا ، وناظرتنا مناظرة عارف ببلدنا ، ولو رددنا عليك ، لكنا إما أن نقطعك ، أو تقطعنا فنهلك ، ولم تكن بك حاجة إلى ما عاملتنا به ، ولا فائدة لك . ولا أنت الآن عاملنا ، فيخرج عن يدك ما تنظر لنا به ، وإنا قد وردنا ومعنا في أنفسنا أمر ، إن عدنا إلى بلدنا بغيره سقط جاهنا ، وقال أكثر أهل الكور : خرجوا فما عملوا شيئا ، ولا يخلوا إما أن يكون ما التمسناه حقا أو باطلا ، فإن كان حقا ، فقطعك لنا عنه ظلم ، وإن كان باطلا ، فمنعك لنا منه ذل ، وليس يجوز لنا الرجوع إلا به ، لأن في رجوعنا ذهاب الجاه ، وطمع العمال في نعمتنا ، وأنت تعلم ما لك عندنا من الضياع والأموال ، وعلي وعلي ، قال : وحلف بالطلاق وأيمان البيعة ، لئن لم تعاونا غاية المعاونة ، وتشهد لنا في المجلس الثاني بكل ما نريده لأخرجن الساعة ، وأعملن عملا بخراجك وضياعك ، وما أسقطته عن نفسك أيام تقلدك البلد ، من أصول الخراج ، واقتطعه من العمالة أيضا ، ويشتمل على ألفي ألف دينار ، وأقول للخليفة : إن لك عندنا مبقلة ، ستون جريبا ، قيمتها ستون ألف دينار - يعني البستان الذي تقدم ذكره - وهو المتوكل ، وأقيم هؤلاء شهودا كلهم ، يشهدون عليك بصحة المال ، ويواجهونك بما أنسبه إلى أنك أخذته منهم ومن غيرهم ، ويحلفون عليه ، وأواجهك بالسعاية والوقيعة ، بحضرة المتوكل ، وأدع ما قدمت له ، حتى إذا وقعت في النكبة والمطالبة ، رهبني الوزراء أولا ، وكل من يعلم أنني كنت سبب نكبتك ، من العمال ، وأصحاب الدواوين ، وصاروا أعوانا لي وشهودا ، فأبلغ بذلك محبتي ، وأرجع إلى منزلي سالما ، وأنت منكوب . قال : فحين سمع عمر ذلك ، اسود وجهه ، وقال : أو أيش ؟ قال : تحلف أنك تشهد لنا ، وتعاوننا . قال : فحلف على ذلك وقمنا . فلما كان في المجلس الثاني ، حضرنا حضرة المتوكل ، وأقبلنا نتظلم ، وعمر يشهد لنا ، ويصدق قولنا . فما برحنا إلا بصرف عاملنا ، وبالنظر لنا في معظم حوائجنا ، واحتسابه لنا بمظالم التمسناها ، وبلغنا ما أملناه وقدرناه ، وزدنا عليه وخرجنا . فقال لنا الشيخ : كيف رأيتم هذا الرأي ؟ أيما كان أجود ، هذا ، أو أن نجاح عمر بن فرج في ذلك المجلس ، ويحاجنا ، ويضرنا بمناظرته ، فيضجر الخليفة ، فيأمر بإخراجنا ، فلا نصل إليه أبدا ، ويقول : هؤلاء طامعون بالمال ، ونعود بالخيبة إلى منازلنا ، بعد السفر والنفقة . فقلنا له : أحسن الله جزاءك ، فأنت أبصر منا بالرأي .
Page 250