228

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

وحدثني أبي ، رضي الله عنه ، إن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز ، حدثه وذكر هو الشاهد وأنسيته أنا ، عن أبيه أو بعض أهله ، قال : كان محمد بن منصور ، يتقلد القضاء بكور الأهواز ، وعمر بن فرج الرخجي ، يتقلد الخراج بها . وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية ، فلا يذهب القاضي إلى الرخجي إلا بعد أن يجيئه ، ويتشاحان على التعظيم . وترد كتب الخليفة إليهما ، بخطاب واحد ، قال : وتولدت من ذلك ، عداوة بينهما ، فكان الرخجي يكتب في القاضي ، إلى المتوكل ، فلا يلتفت إلى كتبه ، لعظم محله عند المتوكل ، ويبلغ ذلك القاضي ، فيقل الحفل به ، ويظهر الزيادة في التعاظم عليه . فلما كان في بعض الأوقات ، ورد كتاب المتوكل ، على الرخجي ، يأمره بأمر في معنى الخراج ، وأن يجتمع مع محمد ابن منصور القاضي ، ولا ينفرد عنه ، وورد بالكتاب ، خادم كبير من خدم السلطان . فأنفذ الرخجي إلى القاضي ، فأعلمه ، وقال : يصير إلى ديوان الخراج لنجتمع فيه على امتثال الأمر . فقال القاضي : ولكن تصير أنت إلى الجامع ، فنجتمع فيه ، وتردد الكلام بينهما ، إلى أن قال الرخجي للخادم : ارجع إلى حضرة أمير المؤمنين ، واذكر القصة ، وإن قاضيه يريد إيقاف ما أمر به . وبلغه الخبر ، فركب محمد بن منصور ، إلى الديوان ، ومعه شهوده ، فدخله ، والرخجي فيه في دست ، وكتابه بين يديه ، فلما بصروا به ، قاموا إليه ، إلا الرخجي . فعدل القاضي عن موضعه في الديوان ، فجلس في آخر البساط ، بعد أن أمر غلامه ، فطوى البساط ، وجلس على البارية ، وحف شهوده به ، وجاء الخادم ، فجلس عند القاضي ، وأوقفه على الكتاب . ولم يزل الرخجي ، يخاطب القاضي ، وبينهما مسافة ، حتى فرغوا من الأمر . فلما فرغوا ، قال الرخجي ، للقاضي : يا أبا جعفر ، ما هذه الجبرية ؟ لا تزال تتورع بي ، وتتحكك بمنافرتي ومضاهاتي ، وتقدر أنك عند الخليفة - أطال الله بقاءه - مثلي ، ومحلك يوازي محلي . قال : وأسرف في هذا الجنس من الفن ، وحمي في الخطاب ، والقاضي ساكت . إلى أن قال الرخجي ، في جملة الكلام : والخليفة - أعز الله نصره - لا يضرب على يدي في أمواله التي بها قيام دولته ، ولقد أخذت من ماله ، ألف ألف دينار ، وألف ألف دينار ، فما سألني عنها . وإنما إليك أن تحلف منكرا على حق ، أو تفرض على لامرأة على زوجها ، أو تحبس ممتنعا عن أداء حق . وأخذ يعدد هذا وشبهه ، وأبو جعفر ، كلما ذكر الرخجي ألف ألف دينار ، وثنى القول ، يعدد بأصابعه ، وقد كشفها ليراها الناس . فلما أمسك عمر ، لم يجب بشيء ، وقال : يا فلان الوكيل . قال : لبيك أيها القاضي . قال : سمعت ما جرى ؟ قال : نعم . قال : قد وكلتك لأمير المؤمنين وللمسلمين ، على هذا الرجل في المطالبة بهذا المال . فقال له الوكيل : إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين . قال : والرخجي ممسك ، والناس حضور على بكرة أبيهم ، لا يدرون ما يريد أن يفعل . قال : فأخذ محمد بن منصور دواة ، وكتب بخطه في مربعة سجلا بذلك المال . ورمى به إلى الشهود ، وقال : اشهدوا على إنفاذ الحكم بما في هذا الكتاب ، وإلزامي فلان ابن فلان ، هذا ، وأومأ بيده إلى الرخجي ، بما أقر به عندي من المال المذكور مبلغه في هذا كتاب للمسلمين . وكتب الشهود خطوطهم بالشهادة بذلك ، وختموها ، وأخذها محمد ابن منصور ، وجعلها في كمه ، ونهض . وأخذ الرخجي يهزأ بالقاضي ، ويظهر التهاون بفعله ذلك . وقال له لما أراد القيام ، طانزا : يا أبا جعفر ، بالغت في عقوبتي ، قتلتني . فقال أبو جعفر : إي والله . فما سمعناه أجابه بغيرها ، وافترقا ، وكتب صاحب الخبر ، للوقت إلى المتوكل . قال : فبلغنا أن كتابه لما عرض على المتوكل ، أحضر وزيره ، وقال له : يا فاعل يا صانع ، أنا أقول لك منذ دهر ، حاسب هذا الخائن المقتطع ، الرخجي ، على أموالنا ، وأنت تدافع ، حتى حفظها الله علينا ، بقاضينا محمد بن منصور ، ورمى إليه بكتاب صاحب الخبر . وقال له : قد ظهرت الآن أموالنا ، في سقطات قوله ، وفلتات لسانه ، وهذه عادة الله عز وجل عند أئمة عباده ، أن يأخذ لهم أعداءهم ، أكتب الساعة بالقبض على الرخجي ، وتقييده ، وغله ، وحمله . قال : فخرج الوزير ، وهو على غاية القلق ، لعنايته بالرخجي ، واستدعى خليفته وقال له : أكتب إليه الساعة ، قد تسرعت يا مشوم ، وقتلت نفسك ، ما كان الذي دعاك إلى معاداة القضاة ؟ ، قد جرى كيت وكيت ، وأنت مقتول إن لم تتلاف أمر محمد بن منصور ، فاجتهد فيه ، وأعلمه ، أني هو ذا ، أؤخر اليوم فقط ، في إنفاذ من يقبض عليه ، إلى أن يحكم أمره مع القاضي ، وأقول للخليفة : أني قد أنفذت إليه ، وأنفذ إليه في غد ، من يمتثل الأمر فيه . فلما ورد كتابه على الرخجي ، قامت قيامته ، وأحضر من يختص به ، فشاوره . فقال له : تركب الساعة إليه وتطرح نفسك عليه . قال : فركب إليه ، في موكب عظيم ، فحجبه القاضي . فاجتهد في أن يوصله إليه ، فما كان إلى ذلك طريق ، فرجع خجلا . وقال لأصحابه : ما ترون ؟ فإني أخاف أن يقدم العشية من يقبض علي . فقالوا له : إن للقاضي رجلا تانئا ، من أهل البلد ، يقال له : فلان ، قد اصطنعه ، وائتمنه ، ويريد قبول شهادته ، وهو غالب عليه جدا ، فتستدعيه ، وتكتب له روزا بشيء من خراجه ، وتسأله أن يوصله إليه ، ويستصلحه لك . فأحضره الرخجي ، وكتب له روزا بألف دينار من خراجه ، وسأله ذلك . فقال له : أما استصلاحه لك ، فلا أضمنه ، ولكن أوصله إليك . فقال له : قد رضيت . فقال : إذا كان وقت المغرب ، فانتظرني ، وخرج الرجل . فلما كان وقت المغرب ، صار إلى الرخجي ، فقال : تلبس عمامة ، وطيلسانا ، وتركب حمارا ، وتجيء . قال : ففعل ذلك ، وركبا بغير شمعة . وجاء الرجل ، فقال للحاجب : استأذن لي على القاضي ، ولصديق لي معي ، فدخل إليه وخرج فقال : ادخلا . فحين شاهد القاضي الرخجي ، أقبل يصيح ويقول : هذا الحال ، وأنت أمين ؟ هاه . ثم قال للرخجي : اخرج عافاك الله عن داري . قال : فبادر الرخجي ، فأكب على رأسه ، فلما رآه القاضي قد فعل ذلك ، قام إليه فعانقه . وبكى الرخجي بين يديه ، ودفع الكتاب إليه . قال : فبكى القاضي ، وقال : عزيز علي يا هذا ، ما كان اضطرك إلى الإقرار ؟ فقال : تحتال في أمري . فقال : والله ما لي حيلة ، فإن الحكم كالسهم إذا نفذ لم يمكن رده ، فجهد به الرخجي ، فما زاده على ذلك ، فانصرف بأقبح منصرف . فلما كان من الغد ، ورد خادم ، فقبض عليه وغله ، وقيده وحمله فعلته في حفظ أموال المسلمين ، وقد كنا نأمر بمحاسبته ، فيتأخر ذلك لعوائق ، والآن فقد أقر طائعا غير مكره ، فما نؤثر معاملته ، إلا بما يعمله الواجب ، بارك الله عليك ، وإن للرجل أملاكا قبلك ، فتنصب من يبيعها ، تتحمل ثمنها إلى بيت المال ، قضاء لما أقر به . قال : فنصب محمد بن منصور ، من باع أملاك الرخجي في كور الأهواز ، على عظمها ، وحمل ثمنها إلى بيت المال ، فهي الأملاك المبيعة ، التي تعرف إلى اليوم بالرخجيات . وحصل الرخجي في العذاب بسر من رأى .

Page 248