Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
حدثني أبي ، رضي الله عنه ، قال : حدثني سهل بن عبد الله الإيذجي ، وكان أحد شهودها ووجوهها ، ويخلفني على القضاء ، وغيري ، بها طويلا ، قال : حدثني أبي ، وكان رئيس البلد ، ومن وجوه شهوده : أن أبا جعفر ، محمد بن منصور القاضي ، لما تقلد كور الأهواز ، من قبل المتوكل ، أول دفعة ، ووردها ، احب أن يطوف عمله . قال : وكان شديد الشرف ، عظيم النعمة والنفقة في مروءته ، حتى إنه كان يستعمل في مطبخه ، بدلا من الشيرج ، دهن اللوز والجلوز . وكان في داره رحى لطيفة ، يديرها حمار له ، يستخرج عليها دهن اللوز دائما . وكان يستعمل في مطبخه ، من اللحم ، والدجاج ، والفراخ ، والحملان ، والجداء ، أكثر مما يتخذه الوزراء ، في كثير من الأمور . فقدم علينا ، فأبعدنا في تلقيه ، وسألناه النزول علينا ، فامتنع . وقال : لا يجوز للقاضي أن ينزل على أحد . فقلنا له : فنفرغ لك أحد المنازل ، فكأنه أجاب إلى هذا . وسبقناه إلى البلد ، فأخلينا له دارا من دورنا ، وجاء فيها فنزل . فاجتهدنا في قبول غلمانه لطفا منا ، أو شيئا ، قليلا أو كثيرا ، فامتنعوا ، وقالوا : إنه متى علم أنكم فعلتم ذلك ، صارت عداوة ، وما قبل لأحد من خلق الله شيئا قط . فلما كان بعد أسبوع استدعاني ، فقال لي : يا أبا محمد ، كيف سعر الخبز عندكم ؟ فقلت : خمسون رطلا بدرهم . فقال : فالدجاج ؟ فقلت : ثلاث بدرهم . فقال : فالفراخ ؟ فقلت : ستة بدرهم . قال : فالجداء ؟ فقلت : أجود جدي بدرهمين . وأخذ يسائلني عن العسل ، والسكر ، وحوائج السقط ، وغير ذلك . من الفواكه ، والثلج ، وأنا أخبره بسعر البلد على الحقيقة ، بالذي يشترى لنا ، ولسائر الناس مثله ، ويقول : أهكذا يشترى لكم ؟ فأقول : نعم . فلما استتم الكلام ، قال : يا غلام ، قل للموكلين ، والفراشين ، أن يحملوا ، ويشدوا الثقل على البغال والجمال ، وتقدم إلى الغلمان بالمسير مع السواد ، وأن يتخلف معي للركوب من جرت عادته بذلك ، وأسرجوا لي الدواب والعمارية ، فقلت : أحدث ، أعز الله القاضي ، أمر ؟ . فقال : نعم ، إنني أحاسب وكيلي ، في كل أسبوع يوما ، على ما ينفقه في طول الأسبوع ، ولما كان البارحة ، حاسبته ، فرفع إلي من أسعار ما اشتراه ، مثل ما ذكرت ، فكدت أن أوقع به ، ولم أشك في أنكم قد دسستم إلى الباعة ، أن يبيعوه بهذا السعر ، إرفاقا لنا ، لما امتنعنا من قبول هداياكم ، ثم توقفت عن الإيقاع به ، إلى أ ، أسألك عن الصورة ، وأكشف . فلما جئتني اليوم ، وسألتك ، وأنت عندي مقبول الشهادة ، وقلت لك ، أن تخبرني ، كيف تشتري أنت وأهل البلد ، فأخبرتني أنك وهم تشترون بهذا ، علمت أن هذا بلد لا تقوم فيه مروءة لشريف ، وأن الضعيف والشريف فيه يتساويان في اللذات والمروءات ، فلا حاجة لي بالمقام فيه ، ولا بد أن أرحل الساعة ، وأجعل مقامي بحيث تبين مروءتي ، وتظهر نعمة الله عندي . قال : ورحل عنا من يومه .
Page 243