حدثني عبد الله بن عمر الحارثي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني أبو محمد عبد الله بن حمدون ، قال : كان المعتضد ، في بعض متصيداته ، مجتازا بعسكره ، وأنا معه ، فصاح ناطور في قراح قثاء ، فاستدعاه ، وسأله عن سبب صياحه . فقال : أخذ بعض الجيش من القثاء شيئا . فقال : أطلبوهم ، فجاءوا بثلاثة أنفس . فقال : هؤلاء الذين أخذوا القثاء ؟ فقال الناطور : نعم . فقيدهم في الحال ، وأمر بحبسه . فلما كان من الغد ، أنفذهم إلى القراح ، فضرب أعناقهم فيه ، وسار . فأنكر الناس ذلك ، وتحدثوا به ، ونفرت قلوبهم منه . ومضت على ذلك مدة طويلة ، فجلست أحادثه ليلة ، فقال لي : يا أبا عبد الله هل يعيب الناس علي شيئا ؟ عرفني حتى أزيله . قلت : كلا ، يا أمير المؤمنين . فقال : أقسمت عليك بحياتي ، إلا ما صدقتني . قلت : وأنا آمن ؟ قال : نعم . قلت : إسراعك إلى سفك الدماء . قال : والله ، ما هرقت دما منذ وليت هذا الأمر ، إلا بحقه . قال : فأمسكت إمساك من يتبين عليه الكلام . فقال : بحياتي ما يقولون ؟ قلت : يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيب ، وكان خادمك ، ولم تكن له جناية ظاهرة . قال : دعاني إلى الإلحاد ، فقلت له : يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة ، وأنا الآن منتصب منصبه ، فألحد حتى أكون من ؟ وكان قال لي : إن الخلفاء لا تغضب ، فإذا غضبت لم ترض ، فلم يصح إطلاقه . فسكت ، سكوت من يريد الكلام . فقال لي : في وجهك كلام . فقلت : الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة أنفس ، الذين قتلتهم في قراح القثاء . فقال : والله ، ما كان أولئك المقتولين هم الذين أخذوا القثاء ، وإنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا ، ووافق ذلك أمر أصحاب القثاء ، فأردت أن أهول على الجيش ، بأن من عاث من عسكري ، وأفسد بها القدر ، كانت هذه عقوبتي له : القتل ، ليكفوا عما فوقه ، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال ، وإني حبستهم ، وأمرت بإخراج اللصوص في غد مغطين الوجوه ، ليقال إنهم أصحاب القثاء ، ويقتلون بفعل ذلك . فقلت : كيف تعلم العامة هذا ؟ قال : بإخراجي القوم الذين أخذوا القثاء ، أحياء ، وإطلاقي لهم في هذه الساعة . ثم قال : هاتم القوم ، فجاءوا بهم ، وقد تغيرت حالهم من الحبس والضرب . فقال لهم : ما قصتكم ؟ فاقتصوا عليه قصة القثاء . فقال لهم : أفتتوبون من مثل هذا الفعل ، حتى أطلقكم ؟ فقالوا : نعم . فأخذ عليهم التوبة ، وخلع عليهم ، ووصلهم ، وأمر بإطلاقهم ، ورد أرزاقهم عليهم . فانتشرت الحكاية ، وزالت عنه التهمة .
Page 225