205

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي ، قال : حدثني أبو علي الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي ، وكان ينادم المعتضد ، ويتجاسر عليه ، قال : كنا نشرب يوما مع المعتضد ، حتى دخل عليه بدر ، فقال : يا مولاي ، قد أحضر القطان الذي من بركة زلزل . قال : فترك مجلس النبيذ ، وقام إلى مجلس في آخر ذلك المجلس ، ودونه ، ونحن نراه ونسمع كلامه ، ومدت بيننا وبينه ستارة ، ولبس قباء ، وأخذ بيده حربه ، وجلس كالمغضب المهول ، حتى فزعنا نحن منه ، مع أنسنا به . وأدخل إليه شيخ ضعيف ، فقال له بصياح شديد : أنت القطان الذي قلت أمس ما قلت ؟ فغشي على القطان ، فأمر به فعزل ناحية . فلما سكن جاءوه به ، فقال : ويلك ، مثلك يقول ليس للمسلمين ناظر في أمورهم ، فأين أنا ؟ وأي شغل شغلي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل سوقي ، لا أعرف غير الغزل والقطن ومخاطبة النساء والعامة ، وإنما اجتاز بنا رجل بايعنا شيئا كان معه ، فوجدنا ميزانه ناقصا ، فقلت هذا الكلام ، وعنيت به المحتسب لا غيره . فقال له المعتضد : الله ، إنك أردت به المحتسب ؟ فقال : والله ما عنيت غيره ، وأنا تائب أن أتكلم بما يشبه هذا . فقال : يحضر المحتسب ، ويبالغ في الإنكار عليه لم غفل عن إنكار مثل هذا ، ويؤمر بتعييره ، وتتبع الطوافين ، وأهل الأسواق ، والتعيير عليهم . وقال للشيخ : انصرف ، لا بأس عليك ، ودخل ، فضحك ، وانبسط ، وعاد يشرب . فلما حمل علي النبيذ ، قلت له : يا مولاي ، تعرف فضولي ، فتأذن لي في أن أقول ؟ فقال : قل . قلت : كان مولانا في أطيب شرب ، وأتم سرور ، فتركه ، وتشاغل عنه بخطاب كلب من السوقة ، كان يكفيه أن يصيح عليه راجل من رجالة صاحب الربع صيحة ، ولم يقنع مولانا في أمره بالوصول إلى حضرته ، حتى غير له لبسته ، وشهر سلاحه ، واستقصى خطابه بنفسه ، لأجل كلمة تقول العامة مثلها دائما ، ولا يميزون معناها . فقال : يا حسن ، أنت لا تعلم ما يجر هذا الكلام ، إن مثل هذا إذا انتشر على ألسنة العوام ، تلقفه بعضهم من بعض ، وتجرأوا عليه ، وربوا على قوله ، حتى يصير منهم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يبعد أن يولد ذلك لهم امتعاضا عند أنفسهم للسياسة والدين ، فتثور الفتن على السلاطين . وليس شيء أبلغ في حسم ذلك ، من قطع مادته من الأصل في أوله . فإن هذا ، مما جرى عليه ، قد طارت روحه ، فهو يخرج ، ويحدث بأضعاف ما لحقه من الإنكار ، وأكثر مما شاهده من الهيبة والفخامة ، وفوق ما سمعه من المطالبة بموجبات السياسة ، ومر الحقيقة ، فينتشر عند العوام ما نحن عليه من التيقظ ، وإن كلمة تكلم بها الرجل منهم لم تخف علي ، وما غفلت عن مناظرة صاحبها ، وعقابه فيعرفوني بذلك ، فيعنيني ذلك عن أفعال كثيرة ، ويحذر جميعهم ، ويضبط نفسه ، وتنحسم مادة شر . لو جرى ، لأحتيج إلى ضروب من الكلف غليظة في صلاحه ، قد انحسمت بيسير من القول والفعل . فأقبلنا ندعو له ونطريه أنا والجماعة .

Page 221