Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي القاضي : إن شيخا من التجار ، كان له على بعض القواد مال جليل ، يماطله به . قال : فعلمت على الظلامة إلى المعتضد ، لأني كنت إذا جئت إلى القائد حجبني ، واستخف بي غلمانه . وكنت إذا تحملت عليه ، فاستشفعت ، لم ينجع فيه . وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان منه ، فما نفعني . فقال لي بعض إخواني : علي أن آخذ لك المال ، ولا تحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة ولا إلى غيره ، فقم معي الساعة . قال : فقمت معه ، فجاء بي إلى خياط في سوق الثلاثاء ، شيخ ، وهو جالس يخيط ، ويقرىء في المسجد ، فقص عليه قصتي ، وسأله أن يقصد القائد فيسأله إزاحة علتي ، وكانت داره قريبة من موضع الخياط ، فقام معنا . فلما مشينا تأخرت ، وقلت لصديقي : إنك قد عرضت هذا الشيخ ، ونفسك ، وإياي ، إلى مكروه غليظ ، هذا إذا حصل على باب الرجل ، صفع ، وصفعنا معه ، فإنه لم يلتفت لشفاعة فلان وفلان ، ولم يفكر في الوزير ، يفكر في هذا ؟ فضحك الرجل ، وقال : لا عليك ، امش واسكت . فجئنا إلى باب القائد ، فحين رأى غلمانه الخياط أعظموه ، وأهووا ليقبلوا يده ، فمنعهم . وقالوا : ما جاء بك يا شيخ ؟ فإن صاحبنا راكب ، فإن كان أمر نعمله نحن بادرنا إليه ، وإلا فادخل واجلس حتى يجيء . فقويت نفسي ، فدخلنا ، وجلسنا . وجاء الرجل ، فلما رأى الخياط ، أعظمه إعظاما تاما ، وقال : لست أنزع ثيابي ، أو تأمر بأمرك . فخاطبه في أمري . فقال : والله ، ما عندي إلا خمسة آلاف درهم ، فسله أن يأخذها ، ورهنا من مراكبي الفضة والذهب ، إلى شهر ، لأعطيه . فبادرت أنا إلى الأجابة ، فأحضر الدراهم ، والمراكب بقيمة الباقي ، فقبضت ذلك . وأشهدت الخياط وصديقي عليه ، بأن الرهن عندي ، إلى شهر على البقية ، فإن جاز الأجل ، فأنا وكيل ببيعه ، وأخذ مالي من ثمنه ، فأشهدتهما على ذلك ، وخرجنا . فلما بلغنا إلى موضع الخياط ، طرحت المال بين يديه ، وقلت : يا شيخ ، إن الله قد رد علي هذا بك ، فأحب أن تأخذ ربعه ، أو ثلثه ، أو نصفه ، بطيب من قلبي . فقال : يا هذا ، ما أسرع ما كافأتني على فعل الجميل بالقبيح ، انصرف بمالك ، بارك الله لك فيه . فقلت : قد بقيت لي حاجة . فقال : قل . قلت : تخبرني عن سبب طاعة هذا لك ، مع تهاونه بأكابر أهل الدولة . فقال : يا هذا قد بلغت مرادك ، وأخذت مالك فلا تقطعني عن شغلي ، وما أعيش منه . فألححت عليه . فقال : أنا رجل أؤم ، وأقرىء في هذا المسجد ، منذ أربعين سنة ، ومعاشي من هذه الخياطة ، لا أعرف غير هذا . وكنت منذ دهر ، قد صليت المغرب ، فأخرجت أريد منزلي ، فاجتزت بتركي كان في هذه الدار ، فإذا قد اجتازت امرأة جميلة الوجه عليه ، فتعلق بها وهو سكران ، ليدخلها داره ، وهي ممتنعة تستغيث ، وليس أحد يغيثها ، وتصيح ، ولا يمنعها منه أحد ، وتقول في جملة كلامها : إن زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه ، فإن بيتني هذا ، أخرب بيي ، مع ما يرتكبه مني من المعصية ، ويلحقه بي من العار . قال : فجئت إلى التركي ، ورفقت به ، وسألته تركها ، فضرب رأسي بدبوس كان في يده . فشجني ، وآلمني ، وأدخل المرأة . فصرت إلى منزلي فغسلت الدم ، وشددت الشجة ، واسترحت . وخرجت أصلي العشاء ، فلما فرغنا منها ، قلت لمن حضر : قوموا معي إلى عدو الله ، هذا التركي ، ننكر عليه ، ولا نبرح ، حتى نخرج المرأة . فقاموا ، وجئنا ، فضججنا على بابه ، فخرج إلينا في عدة من غلمانه ، فأوقع بنا الضرب ، وقصدني من بين الجماعة ، فضربني ضربا عظيما ، كدت أتلف منه ، فشالني الجيران إلى منزلي كالتالف . فعالجني أهلي ، ونمت نوما قليلا للوجع ، وأفقت نصف الليل ، فما حملني النوم فكرا في القصة . فقلت : هذا قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات ، فلو أذنت ، وقع له إن الفجر قد طلع ، فأطلق المرأة ، فلحقت بيتها قبل الفجر ، فتسلم من أحد المكروهين ، ولا يخرب بيتها ، مع ما قد جرى عليها . فخرجت إلى المسجد متحاملا ، وصعدت المنارة ، فأذنت ، وجلست أطلع منها على الطريق ، أترقب منها خروج المرأة ، فإن خرجت ، وإلا أقمت الصلاة ، لئلا يشك في الصباح ، فيخرجها . فما مضت إلا ساعة ، والمرأة عنده ، فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ومشاعل ، وهم يقولون : من هذا الذي أذن الساعة ؟ أين هو ؟ ففزعت وسكت ، ثم قلت أخاطبهم ، لعلي أستعين بهم على إخراج المرأة . فصحت من المنارة : أنا أذنت . فقالوا لي : انزل ، فأجب أمير المؤمنين . فقلت : دنا الفرج ، ونزلت ، فمضيت معهم ، فإذا هم غلمان مع بدر . فأدخلني على المعتضد ، فلما رأيته هبته ، وارتعدت ، فسكن مني . وقال : ما حملك على أن تغر المسلمين بأذانك في غير وقته ، فيخرج ذو الحاجة في غير حينها ، ويمسك المريد للصوم ، في وقت أبيح له فيه الأفطار ؟ فقلت : يؤمني أمير المؤمنين ، لأصدق ؟ فقال : أنت آمن على نفسك . فقصصت عليه قصة التركي ، وأريته الآثار التي بي . فقال : يا بدر ، علي بالغلام والمرأة ، الساعة ، وعزلت في موضع . فلما كان بعد ساعة قليلة ، أحضر الغلام والمرأة ، فسألها المعتضد عن الصورة ، فأخبرته بمثل ما قلته . فقال لبدر : بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها ، ويشرح له خبرها ، ويأمره عني بالتمسك بها ، والإحسان إليها . ثم استدعاني ، فوقفت ، فجعل يخاطب الغلام ، وأنا قائم أسمع . فقال له : يا فلان ، كم رزقك ؟ قال : كذا وكذا . قال : وكم أعطاؤك ؟ قال : كذا وكذا . قال : وكم وظائفك ؟ قال : كذا وكذا . قال : وجعل يعدد عليه ما يصل إليه ، والتركي يقر بشيء عظيم . قال : فقال له : كم لك جارية ؟ قال : كذا وكذا . قال : فما كان لك فيهن ، وفي هذه النعمة العريضة ، كفاية عن ارتكاب معاصي الله عز وجل ، وخرق هيبة السلطان ؟ حتى استعملت ذلك ، وتجاوزته إلى الوثوب بمن أمرك بالمعروف ؟ فأسقط الغلام في يده ، ولم يحر جوابا . فقال : هاتم جوالق ، ومداق الجص ، وقيودا ، وغلا ، فأحضر ذلك . فقيده ، وغله ، وأدخله الجوالق ، وأمر الفراشين ، فدقوه بمداق الجص . وأنا أرى ذلك ، وهو يصيح ، ثم انقطع صوته ، ومات . فأمر به ، فغرق في دجلة ، وتقدم إلى بدر بحمل ما في داره . ثم قال لي : يا شيخ أي شيء رأيت من أجناس المنكر ، كبيرا كان أو صغيرا ، أو أي أمر ، صغيرا كان أو كبيرا ، فمر به وأنكره ، ولو على هذا ، وأومأ بيده إلى بدر . فإن جرى عليك شيء ، أو لم يقبل منك ، فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا الوقت ، فإني أسمع صوتك فأستدعيك ، وأفعل مثل هذا بمن لا يقبل منك ، أو بمن يؤذيك . قال : فدعوت له وانصرف . وانتشر الخبر في الأولياء والغلمان ، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا لأحد ، أو كفا عن قبيح إلا أطاعني ، كما رأيت ، خوفا من المعتضد . وما احتجت أن أؤذن إلى الآن ، في غير وقت الآذان .
Page 215