أنموذج من إسراف المتوكل
حدثني أبو القاسم الجهني ، قال : حدثني أبو محمد بن حمدون ، عن أبيه : إن المتوكل اشتهى أن يجعل كل ما تقع عليه عينه ، في يوم من أسام شربه ، أصفر . فنصبت له قبة صندل مذهبة ، مجللة بديباج أصفر ، مفروشة بديباج أصفر . وجعل بين يديه الدستنبو والأترج الأصفر ، وشراب أصفر في صواني ذهب . ولم يحضر من جواريه إلا الصفر ، عليهن ثياب قصب صفر . وكانت القبة منصوبة على بركة مرصصة يجري فيها الماء ، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر ليصفر الماء ويجري من البركة ، ففعل ذلك . وطال جلوسه وشربه ، فنفد ما كان عندهم من الزعفران ، فاستعملوا العصفر ، ولم يقدروا أنه ينفذ قبل سكره ، فيشترون منه ، فنفد . فلما لم يبق إلا قليل ، عرفوه ، وخافوا أن يغضب إن انقطع ، ولا يمكنهم قصر الوقت من شري ذلك من السوق . فلما أخبروه أنكر لم لم يشتروا أمرا عظيما ، وقال : الآن إن انقطع هذا تنغص يومي فخذوا الثياب المصفرة المعصفرة القصب ، فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ ، ففعل ذلك . ووافق سكره مع نفاد كل ما كان في الخزائن من هذه الثياب . فحسب ما لزم على ذلك الزعفران والعصفر ، وثمن الثياب التي هلكت ، فكان قدر جميعه خمسين ألف دينار . ويشبه هذا ما اخبرنا به الجم الغفير : إن الحسن بن سهل ، لما زف ابنته بوران إلى المأمون ، بفم الصلح ، انقطع بهم الحطب في المطبخ يوم العرس ، أحوج ما كانوا إليه ، فعرفوه ذلك . فأمر الجيش ، فصب عليها الزيت وغيره من الأدهان حتى تشربها وأمر بإيقاده تحت القدور ، وبث الرسل في طلب الحطب . فاستعمل من ذلك الجيش شيء كثير إلى أن حمل الحطب .
Page 204