. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= استدلت بعض الطوائف بهذا الحديث على أن عليا كان أحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ من غيره، لأنه من جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى، ولو عاش بعده لكان خليفة أيضا، وإلا لزم تطرق النقض إليه، ولأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغيبة أولى بأن يكون خليفته.
وهذا الاستدلال لا يصح من عدة وجوه:
أوَّلًا: أن النبي ﷺ قال له ذلك في غزوة تبوك، وكان ﷺ كلما سافر في غزوة أو عمرة أو حج يستخلف على المدينة بعض الصحابة، كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر عثمان، وفي غزوة بني قينقاع بشير بن عبدالمنذر، وكان في كل مرة يترك بالمدينة رجالا كثيرين يستخلف عليهم من أراد، فلما كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحد بالتخلف عنها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان، أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو من هو منافق، وتخلف الثلاثة الذين تيب عليهم، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف عليهم في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه، ولهذا خرج إليه علي ﵁ يبكي ويقول: أتخلفني مع النساء والصبيان؟
وقيل: إن بعض المنافقين طعن فيه، وقال: إنما خلفه لأنه يبغضه؛ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما استخلفه لأمانته عنده، وأن الاستخلاف ليس بنقص ولا غض، فإن موسى استخلف هارون على قومه فكيف يكون نقصا وموسى يفعله بهارون؟! فطيب بذلك قلب علي، وبين أن جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وأمانته، لا يقتضي إهانته ولا تخوينه.
ثانيًا: أن تشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق، ولا يقتضي المساواة في كل شيء، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين من قول النبي ﷺ في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر وأشار بالفداء، واستشار عمر فأشار بالقتل؛ قال: «سأخبركم عن صاحبيكم: مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: ﴿فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ ومثل عيسى إذ قال: ﴿إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ ومثلك يا عمر مثل =