298

الجميل والخير ، والبلوى المقصور في السوء والشر ، وقال قوم : أصل البلاء في كلام العرب الاختبار والامتحان ، ثم يستعمل في الخير والشر ؛ لأن الاختبار والامتحان قد يكون في الخير والشر جميعا ، كما قال تعالى : ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) (1)، يعنى اختبرناهم ، وكما قال تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) (2)، فالخير يسمى بلاء ، والشر يسمى بلاء ؛ غير أن الأكثر في الشر أن يقال : بلوته أبلوه بلاء ، وفي الخير : أبليته أبليه إبلاء وبلاء ؛ وقال زهير في البلاء الذي هو الخير :

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم

وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (3)

فجمع بين اللغتين ، لأنه أراد : أنعم الله عليهما خير النعمة التي يختبر بها عباده. وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الأبناء وغيره إلى نفسه ، وهو قد ذمهم عليه ، ووبخهم! وكيف يكون ذلك من فعله ؛ وهو قد عد تخليصهم منه نعمة عليهم! وكان يجب على هذا أن يكون إنما نجاهم من فعله تعالى بفعله ، وهذا مستحيل لا يعقل ولا يحصل ؛ على أنه يمكن أن ترد قوله : ( ذلكم ) إلى ما حكاه عن آل فرعون من الأفعال القبيحة ؛ ويكون المعنى : في تخليته بين هؤلاء وبينكم ، وتركه منعهم من إيقاع هذه الأفعال بكم بلاء من ربكم عظيم ؛ أي محنة واختبار لكم.

والوجه الأول أقوى وأولى ، وعليه جماعة من المفسرين.

وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن في قوله تعالى : ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم )، قال : نعمة عظيمة ؛ إذا أنجاكم من ذلك ؛ وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس والسدي ومجاهد وغيرهم.

فأما إضافة النجاة إليه وإن كانت واقعة بسيرهم وفعلهم ؛ فلو دل على ما ظنوه لوجب إذا قلنا : إن الرسول أنقذنا من الشك ، أخرجنا من الضلالة إلى الهدى ، ونجانا من الكفر أن يكون فاعلا لأفعالنا.

Page 416