282

والوجه الثاني : أن يكون الأمر وإن كان ظاهره ظاهر أمر ، فغير أمر على الحقيقة ؛ بل المراد به التقرير والتنبيه على مكان الحجة ؛ وقد يرد بصورة الأمر ما ليس بأمر ، والقرآن والشعر [وكلام العرب مملوء بذلك].

وتلخيص هذا الجواب أن الله تعالى لما قال للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) (1)؛ أي مطلع من مصالحكم ، وما هو أنفع لكم في دينكم على ما لا تطلعون عليه. ثم أراد التنبيه على أنه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة مع أنها تسبح وتقدس وتطيع ولا تعصي أولى بالاستخلاف في الأرض ؛ وإن كان في ذريته من يفسد ويفسك الدماء. فعلم آدم عليه السلام أسماء جميع الأجناس ، أو أكثرها ، وقيل أسماء محمد صلى الله عليه وآلهوسلم والأئمة من ولده ، وفيه أحاديث مروية ، ثم قال : ( أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) مقررا لهم ومنبها على ما ذكرناه ، ودالا على اختصاص آدم بما لم يخصوا به وفلما أجابوه بالاعتراف والتسليم إليه علم الغيب الذي لا يعلمونه ، فقال تعالى لهم : ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) (2) منبها على أنه تعالى هو المتفرد بعلم المصالح في الدين ، وأن الواجب على كل مكلف أن يسلم لأمره ، ويعلم أنه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم ؛ علموا وجه ذلك أم جهلوه.

وعلى هذا الجواب يكون قوله تعالى : ( إن كنتم صادقين ) محمولا على كونهم صادقين في العلم بوجه المصلحة في نصب الخليفة ، أو في ظنهم أنهم يقومون بما يقوم به هذا الخليفة ويكملون له ؛ فلولا أن الأمر على ما ذكرناه ، وأن القول لا يقتضي التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم وإقرارهم : ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) معنى ، لأن التكليف الأول لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه السلام بالأسماء ، ولا يكون قوله :

Page 400