259

ومما يبين ذلك أيضا أن الله أوجب علينا أن نرضى بقضائه ولا نسخطه ، وأوجب علينا أن نسخط الكفر ولا نرضاه ، فعلمنا أن الكفر ليس من قضاء ربنا.

ومما يبين ذلك أن الله تعالى أوجب علينا أن ننكر المنكر وأن نمنع الظلم ، فلو كان الظلم من قضاء ربنا كان أوجب علينا أن ننكر قضاءه وقدره ، فلما لم يجز أن يوجب الله تعالى إنكار قضائه ولا رد قدره ، علمنا أن الظلم ليس من قضائه ولا قدره.

وأيضا قال الله تعالى في كتابه : ( ويقتلون النبيين بغير الحق ) (1) وقال : ( يقضي بالحق ) (2) فعلمنا أن ما كان بغير الحق غير ما قضي بالحق ، فلو كان قتل الانبياء من قضاء الله كان حقا ، وكان يجب علينا الرضا به ، لأنه يجب علينا الرضا بقضاء الله ، وقد أمر الله تعالى أن لا يرضى بغير الحق ولا يرضى بقتل الأنبياء ، فعلمنا أن قتلهم ليس بقضاء ربنا ولا من فعل خالقنا.

ومما يبين أن الله تعالى لم يقدر الكفر قوله تعالى في كتابه : ( سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3)) (3) ولم يقل : إنه قدر الضلال على خلقه ، ولا قدر الشقاء على خلقه ؛ لأنه لا يجوز أن يتمدح بأنه قدر الضلال عن الحق ، وكل ضلال عن الحق فمن تقديره ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

* فصل

معنى خلق الأشياء كلها

فإن قيل : فما معنى قول الله تعالى : ( خالق كل شيء ) (4) ( وخلق كل شيء ) (5)؟

قيل له : إنما أراد به خلق السماوات والارض والليل والنهار والجن

Page 377