299
لهفِي على بدرٍ تكامَل حسنُه ... قد سار في فلَك الكمال هِلالاَ
أعْظِم به رُزْءًا أتاح مصائبًا ... فَتّ القلوبَ ومزَّق الأوْصالاَ
ما كنْت أعلم قبل حَمْلِ سريرِه ... أن الرِّجال تُسَيِّر الأجْبالاَ
وعجبتُ للبحر المُحيط بحُفْرةٍ ... هل غاب حقًا وأوراك خيالاَ
يا دافِنِيه مِن الحياءِ تقنَّعوا ... غيَّبْتُم شمسَ الغَداةِ ضلالاَ
عهدِي الغمامُ حِجابُها مالي أرى ... أضْحى الحجابُ جنادلًا ورمالاَ
وكتب إليه في هذا الشأن:
خَطْبٌ يقرِّب دونه الآجالاَ ... ويمزِّق الأحشاء والأوْصالاَ
فدعِ الجفونَ تجود إن نضَبتْ سَحا ... ئبُ دمعِها الصافي دمًا هَطَّالاَ
أفلَتْ ذُكاءُ الفضلِ من فَلك العلى ... ووهَى ثبِيرُ المكرُمات ومَالاَ
وذَوَتْ غصونُ رياضها وتصدَّعتْ ... أجْبالُها حتى بَقِينَ رمالاَ
فقدت أولى الألباب ذو المجد الذي ... عدموا بفقد حياته الإقبالا
فقدُو حليفَ الفضل مَن بكمالهِ ... وحِجاه كنَّا نضرب الأمثالاَ
مَن شاءٍ للعَلْياء يَسْعَ فإن من ... كانتْ له بالأمْسِ مِلْكًا زالاَ
منها:
أعزِزْ عليَّ بأن أرى ربَّ الفَصا ... حةِ والبلاغةِ لا يجيب سُؤالاَ
ما كنتُ أعلمُ قبل يومِ وفاتِه ... أن الكواكبَ تسكُن الأرْمالاَ
ما كنتُ أحسَب أن أرى من قبْله ... للشمسِ من بعدِ الزَّوالِ زوالاَ
منها:
صَبْرًا على ما نالَنِي في يومِه ... كالصبرِ منه به على ما نالاَ
ملأَ القلوبَ من الأسى ولطالَما ... ملأَ العيون مَهابةً وجلالاَ
لولا أخوه أبو الفضائل أحمدٌ ... لرأيتَ أنْديةَ العُلَى أطْلالاَ
الكاملُ الفَطِنُ الذي عَزَماتُه ... إن صال تلْقاها ظُبًا ونِصالاَ
منها:
ما رام بدرُ التِّمِّ مثلَ كمالِه ... إلا وصيَّره المَحاقُ هِلالاَ
مولايَ يا ابن الرَّاشدِين ومَن لهم ... شرفٌ على هامِ السِّماكِ تَعالَى
صبرًا فإِن الدهرَ مِن عاداتِه ... يُدنِي النوى ويُحوِّل الأحْوالاَ
وقد اقتفى أثر الشريف الرضي الموسوي في قصيدته التى رثى بها الصاحب ابن عباد، وأولها:
أكذا المَنون تقْنطرُ الأبْطالاَ ... أكذا الزمانُ يُضَعْضِع الأجْبالاَ
قال وكان بالقرب من ضريحه عدة أشجار من العناب، فشاهدت يومًا أغصانها المخضرة، تزهو بثمارها المحمرة.
فأتبعت الحسرة بالحسرة، ولم أملك سوابق العبرة.
وجادت الطبيعة، بأبيات على البديهة.
وهي هذه:
وقائلةٍ والدمعُ في صَحْن خدِّها ... يَفِيضُ كهَطَّالٍ من السُّحْبِ قد هَمَى
أرى شجرًا العُنَّاب في البُقْعة التي ... بها جدَثٌ ضمَّ الشريفَ المُعظَّماَ
لها خُضْرةُ المُرْتاح حتى كأنه ... على فقْده ما إن أحسَّ تألُّماَ
وأغصانُه فيها ثمارٌ كأنها ... بحُمرتها تُبْدي السرورَ تألماَ
ولو أنصفتْ كانت لعِظْمِ مُصابِه ... ذوَتْ واكْفهرَّتْ حَسْرةً وتندُّماَ
فقلتُ لها ما كان ذاك تهاوُنًا ... بما نالَنا من رُزْئِه وتهضُّماَ
ولكنها لما وضعْنا بأصلهِ ... غديرًا بأنْواع الفضائل مُفْعَماَ
بدَتْ خضرةٌ منه ترُوق وحُزْنُه ... كمِينٌ فلا تستْفْظعِيه توهُّماَ
وما احمرَّتِ الأثْمارُ إلا لأننا ... سقَيْناه دَمْعا كان أكثرُه دَمَا
ولما وقف عليها صلاح الدين الكوراني، قال أبياتا منها:
فيا شجرَ العُنَّاب مالك مُثمِرٌ ... سُرورًا ولم تجزَعْ على سيِّد الحِمَى
على رَمْسِه أوْرَقتَ تهْتزُّ فَرْحةً ... وتُدْلِى إليه كلَّ غصن تَنَمْنَمَا

1 / 299