218
أقولُ هذا ولا عِيٌّ ولا عجَبٌ ... قلبُ الشَّقِيق الذي في وسْط وَجْنِتِه
هذا معنى استعمله الشعراء كثيرا، ومن أجوده قول الحاجري:
لا تُنكروا الخالَ الذي في خدِّه ... كلُّ الشَّقِيق بُنقطةٍ سوداءِ
وقوله في العذار:
عندما جَدَّ بالحبيبِ عِذارٌ ... أظهرتْ لَاُمه لفَتْكِ البَرِيَّهْ
قالتِ الناسُ عند ذلك فيه ... قمرٌ تلك لاَمُه القمَريَّهْ
وله:
مُهَفْهفُ القَدِّ مذ كَوانِي ... بحُمْرةِ الخدِّ منه في الحَيّ
فقلتُ بي أنت دَاوِنِي قا ... ل آخرُ الطبِّ عندنا الْكَىّ
وقوله:
مَن شارَك الإنسانَ في اْسِمهِ ... فحقُّه قطعًا عليه وَجَبْ
لذاك مَن سُمِّىَ مِن خلقِه ... محمدًا فاز بهذا السَّبَبْ
ولقد أجاد الأبوصيرىّ، حيث قال:
فإنَّ لي ذمَّةً منه بتسْميتي ... محمَّدًا وهْو أوْفَى الخلقِ بالذِّمَةِ
وسمع قول القائل:
مُحِبُّك يرعَى هواك فهلْ ... تعود لَيالٍ بضدِّ الأمَلْ
فمنْقُوطها قد بدا نَحْسُه ... ومُهمَلُها فهو سعدٌ حصَلْ
فقال منشئًا:
من الشهرِ حاذِرْ ثالثا ثم خامسًا ... وثالثَ عَشْرٍ ثم سادسَ عَشْرِهِ
كذا واحدٌ من بعد عشرين رابعٌ ... يليها وتالِيه تنَلْ مَحْضَ يُسْرِهِ
وكتب إلى آل العماد بدمشق، في صدر رسالة:
أيا مَن عَجَّ من لَغَبٍ ... فلم تظهرْ له نِيَّهْ
نصَحْتُك فاعتمِدْ أبدًا ... مُراجعةَ العِماديَّهْ
فراجعوه بقولهم:
أمولايَ خيرَ الدين يا شيخَ عصرِنا ... ومَن فيه لا زلتَ الزمانَ اعتمادُنَا
فأنت عمادُ الدين بالحقِّ قائمًا ... فشَاد إلهي مِن دُعاكَ عِمادَنَا
فكتب إليهم:
يا ربّ خيرُ الدين يدعو ضارعَا ... مُتذلَّلًا لك خاضعًا مُتواضعَا
بِصفَا فؤادٍ للعِمادِ وآلِه ... فهمُ الكرام سوابقًا وتوابِعاَ
فكتبوا إليه:
سألت إلهي خاضعًا متواضعَا ... ولا شكَّ مَن يجدعوه يلْقاه سامعَا
بقاءَك خيرَ الدين للناسِ عُمدةً ... ومكثَك يا مولايَ في الأرض نافعًا
وفيهم يقول أيضًا:
يا مَنْ هُم أعمِدةٌ ... كلُّ عمادٍ وحدَهُ
إن نزلتْ نائبةٌ ... بنا قصَدْنا قَصْدَهُ
والجينينىّ المذكور، هو ببركاته اعتد، وبأسباب فوائده اشتد.
فتقلَّد به من الأدب ما تقلد، وبقي له ما دام ذكره وتخلد.
وهو الآن غرة الزمن البهيم، تكلف الألباب بخصاله الحميدة وتهيم.
كما قلت فيه:
لابن عبد العزيز إبراهيمَا ... خُصَلٌ كم بهِنَّ أبْرَاهِيمَا
أدبٌ يُخجِل الرياضَ ولفظٌ ... هِمْتُ فيه وحُقَّ لي أن أهِيمَا
وكمالٌ يهْفو له كل فهمٍ ... طبْع منه يطلب التَّفهيمَا
رأيُه الصبحُ والصباحُ إذا لا ... ح جَلا بالضِّياءِ ليلًا بَهِيمَا
نجم الدين بن خير الدين
هو من حين نجم، تهلَّل عارضة وانسجم ولم يرض بالأرض دارا، فاتَّخذ ما فوق فلك الأفلاك مدارا.
حتى النجومُ عدَت تقول تعجُّبًا ... جاوزْتنا شرفًا فأين تُريدُ
فأجابهنَّ أُمِرتُ أن أرْقى العُلى ... ما دام لي في الارتقاء مَزِيدُ
حتى تَرَينْي والسماءُ قواعدِي ... والشمسُ أرضٌ لي وأنتِ صَعِيدُ
أطلعه الله الطلوع المطهر، وألبسه أثواب النباهة العلم المشهر.
فقام على ميعة شبابه مقام أبيه في حوزته، وراز الأمر بتوفيق الله مثل روزته.
وبنى مثل ما بنى، ومالوى يدًا عن مكرمةٍ ولا ثنى.
تلافى أبوه العُلَى بالعُلى ... فبثَّ نَداه ووالَى جَداهْ
فلمَّا مضى وقضى نَحْبَه ... تلافى تَلافِى المَعالي أبَاهْ
وكان بيني وبينه مودة على الغيب، مأمونة بعون الله من الشائبة والريب.
وكنت لا أفكر في مستحسن سواه إلا أعرضت دونه، ولا أرجو لقاء غائبٍ إلا رجوت أن يكونه.

1 / 218