212
قلت: هذا شعر مقداره خطير، إلا أنه فطير.
حافظ الدين العجمي
فارس مجال، ورب روية وارتجال.
تؤخذ الفصاحة عن لفظه، وتستملى فنون البلاغة من حفظه.
وله حظٌ من الأدب عظيم، واختصاص بنثير ونظيم.
إلا أن شعره أمل الكثرة، وهي كما عرفت متواخيةٌ مع العثرة.
وكان نبا به من حداثته وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه.
فطار كل مطار، ولم يعرج على أوطانٍ واوطار.
ومع أنه يراقبه من الجلالة حافظ، وهو له في كل شؤونه مطالع ملاحظ.
كان كلفًا بالغلمان، معنىً بهم في كل زمان.
وعشق بدمشق فتى اتخذه للخدمة، واهم به هيمان ذي الرمة.
وتحمل فيه أنواع المشاق، وشهد حتى مصارع العشاق.
وشرب بالفتى، ولم يقل السلو متى.
وكان قد فضح النهار ليله، وأفعم الهرم في لهاته سيله.
فمضغته أفواه التشنيع، وعضته أضراس الندامة على هذا الصنيع.
ثم خرج عنه الفتى مجانبًا، وخلاه هو وكمده جانبًا.
واتفق له أنه كان في جمعٍ من الأعيان، ممن يضيق عن وصف تيقظهم نطاق البيان.
إذ سقط الفتى سقوط الندى، وحل حلول الأمل في ذلك المنتدى.
فلم يتمالك الشيخ أن وقع مغشيًا عليه، وفمه على ظاهر قدميه.
فاغتنم تلك الفرصة، وأطفا بتقبيلها تلك الغصة.
والفتى يظهر امتناعه، والحيا حط عليه قناعه.
حتى زايل مكان زلة القدم، هناك قرع الشيخ سن الندم.
وشرع يطلب العفو، وينسب ما وقع منه إلى الغفو.
ثم لم يقر به القرار، دون أن عزم على الفرار.
وخرج إلى الروم حامل أثقال، وهو بريد ترحل وانتقال.
وانتهى أمره إلى أن صار قاضيًا بصوفيه، وبها انتقل من ظل العافية، إلى ظل الرحمة الوافرة الوافية.
وقد أثبت من شعره ماله في إصابة شاكلة الصواب اشتهار، فإنه إن كان حاطب ليل فأنا في انتخاب أحاسنه قاطف نهار.
فمن ذلك قوله:
رأى ما حلَّ من فَرْط الْتهابِي ... ومن مَيْل الجفون إلى انْتهابِي
فمال إلى انْعطاف العِطْف نحوِي ... وأحْيَى القلب من رَشْف الرُّضابِ
وقام لنشْر بُرْدِ الوصل يطوِي ... بأيدي اللُّطف أردِيَة العِتابِ
غزالٌ كالغزالة قد غَزانِي ... بأجْفانٍ أصابتْ كلَّ صَابِي
صَبا قلبي إليه فكلُّ صَبٍّ ... سليمُ الطبع مأسورُ التَّصابِي
جرحتُ بنظْرتي خَدَّيْه وَهْما ... فقابلَني بأنْواع العقابِ
أرى تعْذيبَه للقلبِ عَذْبًا ... لأُسْقَى من مَراشفِه العِذابِ
متى حسَر النِّقابَ عن المُحيَّا ... سَبَى العقلا ويسْبِي في النِّقابِ
بكأسِ الثغرِ منه عِقْدُ دُرٍّ ... تكلّل مثلَ حَبَّات الحَبابِ
إذا أتْبعتُه في المشْيِ طَرْفِي ... فلا أدْري الضلالَ من الصوابِ
أدار على صباحِ الجِيد شعرًا ... كلَيْلٍ جَلَّ حسنا عن خِضابِ
وسَيَّبه على الأرْدافِ يسْعَى ... كأفْعى في الْتِفاتٍ وانْسيابِ
قسا قلْبًا ولكن لاَن عِطْفًا ... أما هذا مِن العَجَب العُجابِ
قضى بالقتْل للعشَّاق قطعًا ... بحُكْمٍ منه قَطْعِيِّ الجوابِ
وذلك حين أدْمَوْا منه خَدًَّا ... بنَظْرتهم له خلفَ الحجابِ
ولم يُقِمِ الشهادةَ حالَ قتْلٍ ... لكيْ يحتاج فيها للنِّصابِ
يُصيب إذا رمى في القلبِ سهمًا ... وكم بالْجَفْن منه مِن مُصابِ
قد اسْتلَب النُّهَى باللطفِ منِّي ... وبالَغ في فُنون الإسْتلابِ
فنارُ القلب منِّي في الْتهابٍ ... وطَرْفي الصَّبُّ منه في انْصبابِ
وقوله في الغزل:
أيامَن يُحيِّي الحسنَ منه بدورُ ... وقد جذبتْه للخُدورِ بدورُ
أراك تجُوز الحيَّ بالقلب خائفًا ... رقيبًا ومِن شأن المحبِّ يزورُ
أمالَك أن تَثْنِي العِنانَ لحَيِّ من ... يُزار فمحبوبُ القلوبِ مَزُورُ
فكن مُصْيغًا سمعًا فإن لسانَه ... يقول لأرْباب المحبَّةِ زُورُوا

1 / 212