191
كأنها مُقْلةٌ مُحدِّقةٌ ... عَبْرَي من الوجد نالَها السهرُ
تبكي وما فارقتْ لها وطنًا ... يومًا ولا فات أهْلَها وطَرُ
يا حُسْن أُنْبُوبها لِصحّنِه ... والماءُ يعلو به وينُحدرُ
كصَوْلَجانٍ من فضةٍ سُبِكتْ ... فواقعُ الماء تحتها أُكَرُ
والبيتان الأخيران مضمنان.
ووقع لابن ظافر، أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحبًا لهم، وبين يديه بركةٌ رق ماؤها، وصحت سماؤها.
وقد رص تحت دساتير نارنج فضح الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كراتٍ من النضار.
فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقال:
أبْدعْتَ يا ابنَ هلال في فَسْقِيَّةٍ ... جاءتْ محاسنُها بما لم يُعْهَدِ
عجبًا لأمْواهِ الدَّساتيِر التي ... فاضتْ على نارَنْجَها المتوقِّدِ
فكأنَّهنَّ صوالجٌ من فضةٍ ... رُفعتْ لضَرْبِ كراةِ خالصِ عَسْجَدِ
وله:
كتب الجمالُ بطِرْسِ وَجْنتِه لنا ... سطرًا به مُحِيَ الجمالُ المشرِقُ
فكأنما ذا أمْرُ سلطانِ البَهَا ... وَافَى لَمن يهْوَى ومن هو يعشقُ
تَقْرَا العيونُ على القلوبِ رسُومَه ... ياقومَنا خرَج الوِطاقُ تفرَّقُوا
وله:
وصديقةٍ وافَيْتُها مُتنزِّها ... ورءُوس نَرْجِسِها طوارِقُ حُرَّكُ
والأقْحُوانُ يظلُّ يركع بالصبَّا ... فكأنما هو عابدٌ متنسِّكُ
فجلستُ بينهما كأني سُخْرةٌ ... هذاك يْغمِز وذا هذا يضحكُ
ومن مقطعاته قوله:
خاطبتُ مَعْسول الرُّضابِ وقلت هل ... من رَشْفةٍ تشفِى الحشَا بشفائِها
فأجابَنِي والثغرُ منه باسمٌ ... ما كلُّ بارِقَةٍ تجودُ بمائِها
ومن رباعياته قوله:
خُذْ حِذْرَك من عيونه يا قلبُ ... لَمَّا يَرْنُو فإن هذا حَرْبُ
والعشقُ على النفوسِ سهلٌ صعبُ ... لا يعرف كيف الحالُ إلا الرَّبُّ
وله:
لا تحسَبُوا شامةً في خدِّه طُبِعتْ ... هاتيك حَبَّةُ قلبٍ زادَه حُبًَّا
فدَبَّ ينْقُلها نملُ العذارِ له ... والنملُ من شأنِه أن ينْقُل الحَبَّا
أخذه من قول بعضهم:
عوارضُه تسْبى العقولَ بحُسْنِها ... وتنقُل حبَّاتِ القلوب نمِالُها
وأنشدني السيد سليمان الحموي، من لفظه لنفسه في هذا المعنى، وقد أحسن:
وأَغْيَدٍ أفْرط في تِيهِهِ ... حتى رأينا منه شيئًا عُجابْ
فأطْلَع اللهُ له عارِضًا ... أمْطر خدَّيْه ألِيمَ العذابْ
كأنْملٍ في التشْبيِه لكنه ... نملٌ بدا ينُقل حبَّ الشبابْ
وله:
يا قلبُ صَبْرًا في هوَى ... من لم تَرُعْه صَبْوُتكْ
وأنت يا ناظرَه ... إنْ هي إلَّا فِتْنَتُكْ
وله:
وذي خَدٍّ تعلَّق فيه قلبي ... فأحرق خدُّه قلبي بنارِ
وخافَ على الجمال يفِرُّ منه ... فقيَّده بسِلْسِلة العِذارِ
أحسن منه قول ابن سعيد الغرناطي، في الخال:
كأن خالًا لاح في خدِّه ... للعين في سِلْسِلةٍ من عِذَارْ
أُسَيْوِرٌ يخْدِم في جَنَّةٍ ... قَيَّده مولاه خوفَ الفِرارْ
ومن قوله: وخاف على الجمال إلخ، تذكرت قول أحمد بن شاهين، في مناقضته:
مذ نبَت العارضُ في خدِّه ... بُدِّلت الحمرةُ بالاصْفرارْ
كأنما العارضُ لمَّا بدا ... قد صار للحسنِ جَناحًا فطارْ
وبلغه أنه عيب عليه استعمال التكرار في شعره، فقال:
أعِيبَ تَكْرارُ لفظِ نظْمى ... والنظمُ من ذاك ما تضّرَّرْ
وأطْربُ النَّغْمِة المَثانِي ... وأحسنُ السُّكَّر المُكرَّرْ
وله:
قد أبحْتُ الخدودَ منه ودادِي ... فَرَمتْني الخدودُ في نارِ يَاسِي
وبَقِى ذلك العذارُ حَماه اللَّ ... هُ حتى انتصفتُ من وَسْواسِي

1 / 191