Musāmarāt al-ẓarīf bi-ḥusn al-taʿrīf
مسامرات الظريف بحسن التعريف
وكذا عرفت بكل عدل عاقد ... لعرى الهدى والدين حبل سداد
للعدل قد أوضحت كل معاهد ... حتى بدا في سائر الآباد
فخر علاه أنطته بعطارد ... حتى ارتدى بسنا البدور الباد
وعلا على ضوء الشهاب الواقدِ ... مسترشدًا بهداه ضوء الهادي
أنت الرشيد لكلّ آوٍ قاصد ... حيث لحمال لا بغداد
يهني الأماني منك بشر مساعد ... ريث الندى وغياث كل منادي
فأنعم ودم لمفاخر ومحامد ... تحوي مداها سائر الآماد
وقد جلس للإشهاد مع التدريس فكان من ثقاة الموثقين، وأعلام المدرسين، ثم تقدم لمشيخة مدرسة بير الحجار بعد وفاة الشيخ أحمد سويسي فأقام دروسهأن وكان مواظبًا على التدريس بهأن وقرأ عليه كثير من العلماء هنالك. ثم قدمه الأمير حسين باشا باي لخطّة قضاء المحلة في ربيع الثاني سنة ١٢٤٣ ثلاث وأربعين ومائتين وألف بعد ارتقاء الشيخ البحري لخطة قضاء الحاضرة وسافر مع الأمير مصطفى باشا ونال من موّدته وإقباله منالًا عزيزًا.
اتفق له في محلّة باجة أن حضر إليه أعرابي يشكو إليه أحد الأضباشية في دين عليه، فأرسل له عونًا وجده بحانوت برادعي داخل باجة، فامتنع من الحضور معه وحين عاد إليه قام له قيام الزعيم، وأخذ يضربه ويشتمه، وعندما بلغ ذلك إلى الشيخ أرسل من حوله للإيتان به على أسوأ حال، وأمر بتطويفه على حمار ينادي عليه هذا جزاء من عصى الشريعة.
ولمّا بلغ خبر ذلك لأمير المحلة أرسل إلى الشيخ كاتب سره يشكره على حسن صنيعه وقال له: وقد حكم عليه الأمير بخمسمائة سوط بعد إنهاء حكمك، فدعا الشيخ للأمير وطلب أن يعفو عنه من السيّاط بشفاعته، فقبل فيه شفاعته وأعفاه.
وكان عالمًا موثقًا فرضيأن ذا همّة عالية، ونفس عزيزة. أما الأدب فقد اختّص بحمل رايته في ذلك العصر حيث نسج فيه على منوال عزيز، وخلّص بدائع معانيه خلوص الإبريز، ومدح الشيخ أحمد البارودي بقصيدة فعظم عنده موقعها وكتب له شاكرًا على ذلك بقوله: [الطويل]
بمدح أبي العباس أصبحت ناسيًا ... أناسًا يعود المدح فيهم إلى الباس
فقد ناب هذا الفرد لي عن جميعهم ... فاغنى وبعض الناس يغني عن الناس
وكان لطيف المحاضرة، حسن المفاكهة، ولوعًا باللطائف الأدبية في مجالسه ومكاتيبه، كتب ملغزًا في عين قوله: [الطويل]
أيا روض آداب رعته الهواطلُ ... ويا حكمًا ما الحق عندك باطل
سألتك ما اسموهو حرف مثلث ... وعيناه ذا حال بنقص وعاطل
ومعناه مغناه احتمي فهو انما ... يلوح إذا دلت عليه دلائل
سريع متى تلفي السبيل إجابة ... بلا قدم يجري إذا سال سائل
غدت دونه الحاجات وقفًا وإنما ... تبلغك الحاجات منه الوسائل
ويكشف إن يكشف عنه غطاؤه ... وما حاجب عن كشفه الأمر حائل
وأول عيب ثم ثانيه فيه أن ... إلى منتهى حسن نما إذ يقابل
وها هو فرد إذ يعد وإنما ... يشاركه في اللفظ ما لا يشاكل
وحسبي بيانًا ما ذكرت وإنما ... يعاجلُ مثلي بالإجابة عاقل
فأجابه الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الطويل]
أيا عين آداب بها الظرف سائلُ ... ومن هو منحى القصد إن سال سائل
سألت وما تعني سوى عين ما عنت ... إلى شأو معناه العيون الأفاضل
وقد صرّح التبيان منه بعينه ... فما حاجب عن كشفه الأمر حائل
وإن كان في عين جعلتَ نزوله ... فها هو في عيني لأجلك نازل
وقد حكم التصريف أن بعينه ... حليًا وجيد الفاء من ذاك عاطل
وحسبك تبيانًا وقد جاء واضحًا ... ومثلك لا تخفى عليه الدلائل
فكتب إليه الشيخ أحمد زروق بقوله: [الخفيف]
بك أقسمت أنكم ليمين ... ليس في سبقك الأفاضل مينُ
قد جرى منك ما ملا العين حسنًا ... صح أن الذي عنيناه عين
ليس عيب فيكشفك الغيب عنه ... كيف والعين عندك منه غين
وقد اتفق له أن سار في طريق مصاحبًا للأكتب الشاعر الشيخ الحبيب الأصرم والمطر متوالية، وكانت عليهما سحبة بيد الكاتبالمذكور تقيهما المطر، فسال الماء من أحد جوانبها على صاحب الترجمة فأنشأ ما سار سير المثل في الاستخدام وهو قوله: [الكامل]
1 / 327