Mukhtaṣar Tafsīr Ibn Kathīr
مختصر تفسير ابن كثير
Publisher
دار القرآن الكريم
Edition
السابعة
Publication Year
1402 AH
Publisher Location
بيروت
•
Regions
Syria
وقوله تعالى: ﴿واهجروهن فِي المضاجع) قال ابن عباس: الهجر هُوَ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا، وَيُضَاجِعَهَا عَلَى فِرَاشِهَا وَيُوَلِّيَهَا ظَهْرَهُ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَزَادَ آخرون فِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُكَلِّمُهَا مَعَ ذَلِكَ وَلاَ يحدثها، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعِظُهَا فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ، وَإِلَّا هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ وَلَا يُكَلِّمْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يرد نِكَاحَهَا وَذَلِكَ عَلَيْهَا شَدِيدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: الهجر هو أن لا يضاجعها. وَفِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ عَنْ (مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ) أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ امرأة أحدنا عليه؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبَ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحَ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ». وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَيْ إِذَا لَمْ يَرْتَدِعْنَ بِالْمَوْعِظَةِ وَلَا بِالْهِجْرَانِ، فَلَكُمْ أَنْ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عندكم عوان (عوان: أي أسيرات، شبههنّ ﵇ بالأسيرات شفقة ورحمة) ولكم عليهن أن لا يطئن فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسَوْتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ". وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، قال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا ولا يؤثر فيها شينًا، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: يَهْجُرُهَا فِي الْمَضْجَعِ فَإِنْ أَقْبَلَتْ وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَا تَكْسِرَ لَهَا عَظْمًا فإن أقبلت، وإلا فقد أَحَلَّ الله لَكَ منها الفدية. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ الله»، فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله ﷺ في ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نساء كثير يشتكين أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يشتكين من أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائي وابن ماجة)
وقوله تعالى: ﴿فَإِن أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أَيْ إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده مِنْهَا، مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا وَلَا هِجْرَانُهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ تَهْدِيدٌ لِلرِّجَالِ إِذَا بَغَوْا عَلَى النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ الْعَلِيَّ الكبير وليهُنَّ، وهو ينتقم مِمَّنْ ظلمهُنَّ وَبَغَى عَلَيْهِنَّ.
- ٣٥ - وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خبيرا
ذكر الْحَالَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ: إِذَا كَانَ النُّفُورُ وَالنُّشُوزُ مِنَ الزَّوْجَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَالَ الثَّانِيَ: وَهُوَ إِذَا كَانَ النُّفُورُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ﴾، وقال الْفُقَهَاءُ: إِذَا وَقَعَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَنْبِ ثِقَةٍ، يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمَا وَيَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْهُمَا مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنْ تَفَاقَمَ أَمَرُهُمَا وَطَالَتْ خُصُومَتُهُمَا، بَعَثَ الْحَاكِمُ ثِقَةً مَنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ وَثِقَةً مِنْ قَوْمِ الرَّجُلِ، لِيَجْتَمِعَا فينظرا فِي أَمْرِهِمَا وَيَفْعَلَا مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، مِمَّا يَرَيَانِهِ مِنَ التَّفْرِيقِ أَوِ التَّوْفِيقِ، وتشوَّف الشَّارِعُ إلى التوفيق، ولهذا قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يُرِيدَآ إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صَالِحًا مَنْ أَهْلِ الرَّجُلِ، وَرَجُلًا من أهل
1 / 386