Mukhtaṣar Tafsīr Ibn Kathīr
مختصر تفسير ابن كثير
Publisher
دار القرآن الكريم
Edition
السابعة
Publication Year
1402 AH
Publisher Location
بيروت
•
Regions
Syria
(الشرح الكبير): ثم اختلف الصحابة ﵃ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ، (وَالثَّانِي): أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَهَذَا أَكْثَرُ ما يوجد لهم وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ الْكَبَائِرِ، (وَالثَّالِثُ): قَالَ إِمَامُ الحرمين: كل جريمة تنبىء بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ، (وَالرَّابِعُ): ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ: أَنَّ الْكَبِيرَةَ كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حدًا من قتل أو غيره.
ثم قال: وفصَّل الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الحق، والزنا واللواطة، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا، وَالْقَذْفُ؛ وَزَادَ فِي (الشَّامِلِ) عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ: شَهَادَةَ الزور، أضاف إِلَيْهَا صَاحِبُ (الْعُدَّةِ): أَكْلَ الرِّبَا، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلَ مَالِ اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم اللاة عَلَى وَقْتِهَا، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا بِلَا عُذْرٍ، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عَمْدًا؛ وَسَبَّ أَصْحَابِهِ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنهي عن النكر مَعَ الْقُدْرَةِ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَيُقَالُ الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ: الظِّهَارُ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ) الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كبيرة، وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الكبيرة ما توعد عليها الشارع بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ وما يتبع ذَلِكَ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَإِذَا قِيلَ: كل ما نهى الله عنه فكثير جدًا. والله أعلم.
- ٣٢ - وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا نَغْزُو، وَلَنَا نصف الميراث؟ فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ على بعض﴾ (رواه أحمد والترميذي) وقال عبد الرزاق عن معمر قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْلِ النِّسَاءِ لَيْتَنَا الرِّجَالُ فَنُجَاهِدَ كَمَا يُجَاهِدُونَ، وَنَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في الآية، قال: أتت امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ برجل، ونحن في العمل هكذا، إن فعلت امرأة حسنة كتب لَهَا نِصْفُ حَسَنَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ﴾ الآية (أخرجه ابن أبي حاتم) قال ابن عباس: لا يَتَمَنَّى الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي مَالَ فُلَانٍ وَأَهْلَهُ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ولكن يسأل الله مِن فَضْلِهِ. وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "لَا حَسَدَ
1 / 382