338

Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ

Publisher Location

الرياض

فلما أقبلت قريش يوم بدر، ورآها رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتِنِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، وَقَالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَارْمِهِمْ بِهَا، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ تَنَاوَلَ كَفًّا مِنْ حَصَى عَلَيْهِ تُرَابٌ، فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مُشْرِكٌ إِلَّا دَخَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَفَمِهِ وَمَنْخَرَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَانْهَزَمُوا وَرَدِفَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهُمْ، وَيَأْسِرُونَهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَرْمِيَ كَفًّا مِنَ الْحَصَا إِلَى وُجُوهِ جَيْشٍ، فَلَا يَبْقَى فِيهِمْ عَيْنٌ إِلَّا، وَيُصِيبُهَا مِنْهُ شَيْءٌ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا بَلَّغْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَلَّغَ. وَقِيلَ: وَمَا رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ إِذْ رمشا بِالْحَصْبَاءِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى انْهَزَمُوا، ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧] أَيْ: وَلِيُنْعِمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [الأنفال: ١٧] لدعائكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧] بنايتكم.
[١٨] ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأنفال: ١٨] الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْقَتْلِ وَالرَّمْيِ والبلاء الحسن، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٨] قِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: وَاعْلَمُوا أن الله ﴿مُوهِنُ﴾ [الأنفال: ١٨] مضعف، ﴿كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: (مُوَهِّنٌ) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ، (كيدَ) نَصْبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "مُوهِنٌ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّنْوِينِ إِلَّا حَفْصًا، فَإِنَّهُ يُضِيفُهُ فلا ينون ويخفض ماله ﴿كَيْدِ﴾ [الأنفال: ١٨]
[١٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] وذلك أن أبا جهل -لعنه الله- قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ: اللَّهُمَّ أَقَطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَمْ نَعْرِفْ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ، فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَفْتِحَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ خَرَجُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ أَخَذُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَقَالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعْلَى الْجُنْدَيْنِ، وَأَهْدَى الْفِئَتَيْنِ، وَأَكْرَمَ الْحِزْبَيْنِ، وَأَفْضَلَ الدِّينَيْنِ فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] أَيْ: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَاللَّهِ لَا نَعْرِفُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ فَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالْحَقِّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] أَيْ إِنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْقَضَاءُ. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هَذَا خِطَابٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ أَيْ: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَالنَّصْرُ قوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: ١٩] يَقُولُ لِلْكُفَّارِ: إِنْ تَنْتَهُوا عَنِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَقِتَالِ نَبِيِّهِ ﷺ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا﴾ [الأنفال: ١٩] لحربه وقتاله، ﴿نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩] بِمِثْلِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقِيلَ: وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى الدُّعَاءِ وَالِاسْتِفْتَاحِ نَعُدْ لِلْفَتْحِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٩]

3 / 246