336

Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ

Publisher Location

الرياض

وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشين مشددا، ﴿النُّعَاسَ﴾ [الأنفال: ١١] نَصْبٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلَّهِ ﷿، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النَّجْمُ: ٥٤] وَالنُّعَاسُ. النَّوْمُ الخفيف. ﴿أَمَنَةً﴾ [الأنفال: ١١] أمنا ﴿مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١] مَصْدَرُ أَمِنْتُ أَمْنًا وَأَمَنَةً وَأَمَانًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رصي اللَّهُ عَنْهُ: النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ وَفِي الصَّلَاةِ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى كَثِيبٍ أَعْفَرَ تَسُوخُ فِيهِ الْأَقْدَامُ وَحَوَافِرُ الدَّوَابِّ، وَسَبَقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، وَأَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ مُحْدِثِينِ وَبَعْضُهُمْ مُجْنِبِينَ، وَأَصَابَهُمُ الظَّمَأُ، وَوَسْوَسَ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَفِيكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَقَدْ غَلَبَكُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ وَمُجْنِبِينَ، فَكَيْفَ تَرْجُونَ أَنْ تَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِمْ مَطَرًا سَالَ مِنْهُ الْوَادِي، فَشَرِبَ المؤمنون، واغتسلوا، وتوضؤوا، وسقوا الركاب، وملؤوا الْأَسْقِيَةَ، وَأُطْفِأَ الْغُبَارُ، وَلَبَّدَ الْأَرْضَ حَتَّى ثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْأَقْدَامُ، وَزَالَتْ عَنْهُمْ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ، وَطَابَتْ أَنْفُسُهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجَنَابَةِ، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١] وسوسته، ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] بِالْيَقِينِ وَالصَّبْرِ، ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] حَتَّى لَا تَسُوخَ فِي الرَّمْلِ بِتَلْبِيدِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: يُثَبِّتُ بِهِ الْأَقْدَامَ بِالصَّبْرِ وَقُوَّةِ الْقَلْبِ.
[١٢] ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ١٢] الَّذِينَ أَمَدَّ بِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢] بِالْعَوْنِ وَالنَّصْرِ ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] أَيْ: قَوُّوا قُلُوبَهُمْ. قِيلَ: ذَلِكَ التَّثْبِيتُ حُضُورُهُمْ مَعَهُمُ الْقِتَالَ وَمَعُونَتُهُمْ، أَيْ: ثَبِّتُوهُمْ بِقِتَالِكُمْ مَعَهُمُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ. بَشِّرُوهُمْ بِالنَّصْرِ، وَكَانَ الْمَلِكُ يَمْشِي أَمَامَ الصَّفِّ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وَيَقُولُ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ. ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ الْخَوْفَ مِنْ أوليائي، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. وقيل. هذا خطاب جمع الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وقوله: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] قال عكرمة: يعني الرؤوس لِأَنَّهَا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَاهُ فَاضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ، وَفَوْقَ صِلَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [مُحَمَّدٌ: ٤] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَاضْرِبُوا عَلَى الْأَعْنَاقِ، فَوْقَ بِمَعْنَى عَلَى. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] قَالَ عَطِيَّةُ: يَعْنِي كُلَّ مُفَصَّلٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْأَطْرَافَ، وَالْبَنَانُ جُمَعُ بَنَانَةٍ، وَهِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ والرجلين.
[١٣] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٣] خَالَفُوا اللَّهَ،

2 / 344