273

Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ

Publisher Location

الرياض

نَافِعٌ (مَيِّتًا) وَ(لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) و(الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا) بالتشديد فيهن، وقرأ الآخرون بِالتَّخْفِيفِ (فَأَحْيَيْنَاهُ) أَيْ: كَانَ ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ، كَانَ مَيِّتًا بِالْكُفْرِ فَأَحْيَيْنَاهُ بالإيمان، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] يَسْتَضِيءُ بِهِ، ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ، قِيلَ: النُّورُ هُوَ الْإِسْلَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٧] وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ كِتَابُ اللَّهِ بَيِّنَةٌ مِنَ اللَّهِ مَعَ الْمُؤْمِنِ، بِهَا يَعْمَلُ وَبِهَا يَأْخُذُ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي،؟ ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] الْمَثَلُ صِلَةٌ، أَيْ كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَاتِ، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] يعني: من ظلمة الكفر ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ عبادة الأصنام.
[١٢٣] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] أَيْ: كَمَا أَنَّ فُسَّاقَ مَكَّةَ أَكَابِرُهَا، كَذَلِكَ جَعَلْنَا فُسَّاقَ كَلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَهَا، أَيْ: عُظَمَاءَهَا، جَمْعُ أَكْبَرَ، مِثْلُ أَفْضَلَ وَأَفَاضِلَ، وَأَسُودَ وَأَسَاوِدَ، وَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ ضُعَفَاءَهُمْ، كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﵇: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١١١] وَجَعَلَ فُسَّاقَهُمْ أَكَابِرَهُمْ، ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْلَسُوا عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ مَكَّةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ لِيَصْرِفُوا النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَنْ يُقْدِمُ: إِيَّاكَ وَهَذَا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ كَاهِنٌ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٣] لِأَنَّ وَبَالَ مَكْرِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣] أَنَّهُ كَذَلِكَ.
[١٢٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] يَعْنِي: مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ: لَوْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ، لِأَنِّي أَكْبَرُ مِنْكَ سِنًّا وَأَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: زَاحَمَنَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فِي الشَّرَفِ حَتَّى إِنَّا صِرْنَا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَتَّبِعُهُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا وَحْيٌ كَمَا يَأْتِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٢٤] حُجَّةٌ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالُوا: يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ (رِسَالَتَهُ) عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (رِسَالَاتِهِ) بِالْجَمْعِ، يَعْنِي اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالرِّسَالَةِ. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وهوان، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أَيْ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] قِيلَ: صَغَارٌ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابٌ شديد في الآخرة.
[قوله تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ] لِلْإِسْلَامِ. . . .
[١٢٥] قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أَيْ: يَفْتَحْ قَلْبَهُ وَيُنَوِّرْهُ حَتَّى يقبل الإسلام ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (ضَيْقًا)، بِالتَّخْفِيفِ ها هنا وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ: هَيْنٍ وَهَيِّنٍ وَلَيْنٍ ولين، ﴿حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْضًا مِثْلُ: الدِّنَفِ وَالدَّنَفِ، والمصدر كَالطَّلَبِ وَمَعْنَاهُ ذَا حَرَجٍ، وَبِالْكَسْرِ الِاسْمِ وَهُوَ أَشَدُّ الضِّيقِ، يَعْنِي يَجْعَلْ قَلْبَهُ ضَيِّقًا حَتَّى لَا يَدْخُلَهُ الْإِيمَانُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَيْسَ للخير فيه منفذ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ اشْمَأَزَّ قَلْبُهُ، وَإِذَا ذَكَرَ شيء مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ارْتَاحَ إِلَى ذلك ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقرأ ابن كثير: (يصعد) بالتخفيف وسكون الصاد، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (يَصَّاعَدُ) بِالْأَلِفِ، أَيْ يَتَصَاعَدُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يَصَّعَّدُ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالْعَيْنِ، أَيْ: يَتَصَعَّدُ، يَعْنِي: يَشُقُّ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ كَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ صُعُودُ السَّمَاءِ. وَأَصْلُ الصُّعُودِ الْمَشَقَّةُ، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أَيْ: عَقَبَةً شَاقَّةً.

2 / 281