Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
Publisher
دار السلام للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٦هـ
Publisher Location
الرياض
Genres
•General Exegesis
Regions
•Saudi Arabia
﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ [الأنعام: ١١٣] ليكتسبوا، ﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] يُقَالُ: اقْتَرَفَ فُلَانٌ مَالًا إِذَا اكْتَسَبَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشُّورَى: ٢٣] وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ: لِيَعْمَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ مَا هُمْ عاملون.
[١١٤] قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٤] فِيهِ إِضْمَارٌ أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَفَغَيْرَ اللَّهِ، ﴿أَبْتَغِي﴾ [الأنعام: ١١٤] أطلب ﴿حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] قَاضِيًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حَكَمًا فَأَجَابَهُمْ بِهِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] مُبَيَّنًا فِيهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: مُفَصَّلًا أَيْ خَمْسًا خمسا وعشرا عشرا، كَمَا قَالَ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١١٤] يَعْنِي: عُلَمَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَقِيلَ: هُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمْ رُءُوسُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، والمراد من الكتاب هُوَ الْقُرْآنُ، ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾ [الأنعام: ١١٤] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ: (مُنَزَّلٌ)، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّنْزِيلِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١١٤] ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] مِنَ الشَّاكِّينَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
[١١٥] قوله ﷿: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٥] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ (كَلِمَةَ) عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (كَلِمَاتِ) بِالْجَمْعِ، وَأَرَادَ بِالْكَلِمَاتِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ووعده ووعيده، ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أَيْ: صِدْقًا فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَعَدْلًا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: صَادِقًا فِيمَا وَعَدَ وَعَدْلًا فِيمَا حَكَمَ. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُغَيِّرَ لِحُكْمِهِ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] قِيلَ: أَرَادَ بِالْكَلِمَاتِ الْقُرْآنَ لَا مبدل له، يريد لَا يَزِيدُ فِيهِ الْمُفْتَرُونَ وَلَا يَنْقُصُونَ.
[١١٦] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَرْضِ كَانُوا عَلَى الضَّلَالَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ جَادَلُوا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَقَالُوا: أَتَأْكَلُونَ مَا تَقْتُلُونَ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَهُ اللَّهُ ﷿؟ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١٦] أَيْ: وَإِنْ تُطِعْهُمْ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] يُرِيدُ أَنَّ دِينَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ظَنٌّ وَهَوًى لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] يَكْذِبُونَ.
[١١٧] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧] قِيلَ: مَوْضِعُ (مَنْ) نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: بِمَنْ يَضِلُّ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفَعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَفَظُهَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أَيُّ النَّاسِ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] أَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْفَرِيقَيْنِ الضَّالِّينَ والمهتدين فيجازي كلا بما يستحقون.
[١١٨] قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] أَيْ: كُلُوا مِمَّا ذُبِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَصْنَافًا مِنَ النَّعَمِ وَيُحِلُّونَ الْأَمْوَاتَ، فَقِيلَ لَهُمْ: أَحَلُّوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ وحرموا ما حرم الله.
[قوله تعالى وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ] عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ. . . .
[١١٩] ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] يَعْنِي: أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ، ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام: ١١٩] وَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تَأْكُلُوا ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] مِنَ الذَّبَائِحِ، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ (فَصَّلَ)، وَ(حَرَّمَ) بِالْفَتْحِ فِيهِمَا أَيْ فَصَّلَ اللَّهُ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ (اسْمُ اللَّهِ) وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَالرَّاءِ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، لِقَوْلِهِ (ذُكِرَ) وَقَرَأَ حمزة والكسائي وأبو بكر بالفتح (فصل)، وَ(حُرِّمَ) بِالضَّمِّ، وَأَرَادَ بِتَفْصِيلِ المحرمات ما ذكرت فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
2 / 279