Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
Publisher
دار السلام للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٦هـ
Publisher Location
الرياض
Genres
•General Exegesis
Regions
•Saudi Arabia
﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] قَبْلَ الْمَوْتِ، ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] يعني: يوم القيامة، ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] فِي صَرْفِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] وَأَرَادَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَدْعُونَ اللَّهَ فِي أَحْوَالِ الِاضْطِرَارِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٢]
[٤١]، ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] أَيْ: تَدْعُونَ اللَّهَ وَلَا تَدْعُونَ غَيْرَهُ، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] قَيَّدَ الْإِجَابَةَ بِالْمَشِيئَةِ وَالْأُمُورُ كُلُّهَا بمشيئته، ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ [الأنعام: ٤١] وتتركون، ﴿مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١]
[٤٢] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢] بالشدة والجوع، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢] المرض والزمانة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] أَيْ: يَتُوبُونَ وَيَخْضَعُونَ، وَالتَّضَرُّعُ: السُّؤَالُ بالتذلل.
[٤٣]، ﴿فَلَوْلَا﴾ [الأنعام: ٤٣] فهلا، ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام: ٤٣] عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣] آمنوا فيكشف عَنْهُمْ، أَخْبَرَ اللَّهُ ﷿ أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى قَوْمٍ بَلَغُوا مِنَ الْقَسْوَةِ إِلَى أَنَّهُمْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا وَلَمْ يَتَضَرَّعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي.
[٤٤]، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] تَرَكُوا مَا وُعِظُوا وَأُمِرُوا بِهِ، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (فتَّحنا) بِالتَّشْدِيدِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ عُقَيْبَهُ جمعًا، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَهَذَا فَتْحُ اسْتِدْرَاجٍ وَمَكْرٍ، أَيْ: بَدَّلْنَا مَكَانَ الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ الرَّخَاءَ وَالصِّحَّةَ، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ [الأنعام: ٤٤] وَهَذَا فَرَحُ بَطَرٍ مِثْلُ فَرَحِ قَارُونَ بِمَا أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] فَجْأَةً آمَنَ مَا كَانُوا وَأَعْجَبَ مَا كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَيْهِمْ ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُبْلِسُ النَّادِمُ الْحَزِينُ، وَأَصْلُ الْإِبْلَاسِ: الْإِطْرَاقُ مِنَ الْحُزْنِ والندم، روى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ» (١) . " ثُمَّ تَلَا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذكروا به) الآية.
[قوله تعالى فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ] لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. . . . .
[٤٥]، ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] أَيْ: آخِرُهُمْ الَّذِينَ بِدُبُرِهِمْ، يُقَالُ: دَبَرَ فُلَانٌ الْقَوْمَ يَدْبُرُهُمْ دَبْرًا وَدُبُورًا إِذَا كَانَ آخِرَهُمْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالْعَذَابِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] حَمِدَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ قَطَعَ دَابِرَهُمْ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَى رسله، فَذَكَرَ الْحَمْدَ لِلَّهِ تَعْلِيمًا لَهُمْ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِمْ، أَنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى كِفَايَتِهِ شَرَّ الظَّالِمِينَ، وَلِيَحْمَدَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأَصْحَابُهُ رَبَّهُمْ إِذَا أَهْلَكَ الْمُكَذِّبِينَ.
[٤٦]، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] أيها
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده ج ٤ / ١٤٥ وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وانظر مجمع الزوائد (١٠ / ٢٤٥) .
1 / 262