230

Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ

Publisher Location

الرياض

" أؤمن بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ " إِلَى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]»، فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى ﵇ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ، وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: ٥٩] أَيْ: تَكْرَهُونَ مِنَّا ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] أَيْ: هَلْ تَكْرَهُونَ مِنَّا إِلَّا إِيمَانَنَا وَفِسْقَكُمْ، أَيْ: إِنَّمَا كَرِهْتُمْ إِيمَانَنَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّا عَلَى حَقٍّ، لِأَنَّكُمْ فَسَقْتُمْ بِأَنْ أَقَمْتُمْ عَلَى دِينِكُمْ لِحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَحُبِّ الأموال، ثم قال:
[٦٠] ﴿قُلْ﴾ [المائدة: ٦٠] يا محمد، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ [المائدة: ٦٠] أخبركم، ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٦٠] الَّذِي ذَكَرْتُمْ، يَعْنِي قَوْلَهُمْ: لَمْ نَرَ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَذَكَرَ الْجَوَابَ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يكن الابتداء شرا لقوله تعالى: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢] ﴿مَثُوبَةً﴾ [المائدة: ٦٠] ثَوَابًا وَجَزَاءً، نُصب عَلَى التَّفْسِيرِ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠] أَيْ: هُوَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] يَعْنِي: الْيَهُودَ، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] فَالْقِرَدَةُ أَصْحَابُ السَّبْتِ، وَالْخَنَازِيرُ كُفَّارُ مائدة عيسى ﵇ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] أَيْ: جُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، أَيْ: أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِيمَا سول له ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ.
[٦١] ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا﴾ [المائدة: ٦١] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وقالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [المائدة: ٦١] بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ فِيمَا قُلْتَ، وَهُمْ يُسرّون الْكُفْرَ، ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] يَعْنِي: دَخَلُوا كَافِرِينَ وَخَرَجُوا كَافِرِينَ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١]
[٦٢] ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٦٢] يَعْنِي: مِنَ الْيَهُودِ ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٦٢] قِيلَ: الْإِثْمُ الْمَعَاصِي وَالْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْإِثْمُ مَا كَتَمُوا مِنَ التوراة، والعدوان ما زادوا فيها، ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٢] الرِّشَا، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]
[٦٣] ﴿لَوْلَا﴾ [المائدة: ٦٣] هلّا، ﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] يَعْنِي: الْعُلَمَاءَ، قِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى وَالْأَحْبَارُ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]
[٦٤] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ بَسَطَ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى كَانُوا مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ مَالًا وَأَخْصَبِهِمْ نَاحِيَةً فَلَمَّا عَصَوُا اللَّهَ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَذَّبُوا بِهِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أي: محبوسة مقبوضة من الرزق نسبوه إلى البخل، قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِنْحَاصٌ، فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ الْآخَرُونَ وَرَضُوا بِقَوْلِهِ أَشْرَكَهُمُ اللَّهُ فِيهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يَدُ اللَّهِ مَكْفُوفَةٌ عَنْ عَذَابِنَا فَلَيْسَ يُعَذِّبُنَا إلا ما يبر بِهِ قَسَمُهُ قَدْرَ مَا عَبَدَ آبَاؤُنَا الْعِجْلَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] أَيْ: أُمسكت أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: أَنَا الْجَوَّادُ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ وَأَيْدِيهِمْ هِيَ الْمَغْلُولَةُ الْمُمْسِكَةُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْغَلِّ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ [غَافِرِ: ٧١] ﴿وَلُعِنُوا﴾ [المائدة: ٦٤] عُذّبوا ﴿بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] فَمِنْ لَعْنِهِمْ أَنَّهُمْ مُسخوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ويد الله صفة من صفات ذاته كَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْوَجْهِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» (١) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَاتِهِ، فَعَلَى الْعِبَادِ فِيهَا الْإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ. وَقَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ من

(١) رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة رقم (١٨٢٧) ٣ / ١٤٥٨.

1 / 238