205

Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ

Publisher Location

الرياض

﴿قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] يَعْنِي: مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ، لِأَنَّ مَنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا، وَأَرَادَ بِالْقَلِيلِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.
[١٥٦] ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] حِينَ رَمَوْهَا بِالزِّنَا.
[١٥٧] ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ عِيسَى ﵇ عَلَى الَّذِي دَلَّ الْيَهُودَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ حَبَسُوا عِيسَى ﵇ فِي بَيْتٍ وَجَعَلُوا عَلَيْهِ رَقِيبًا فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى شَبَهَ عِيسَى ﵇ عَلَى الرَّقِيبِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النساء: ١٥٧] فِي قَتْلِهِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧] أَيْ: فِي قَتْلِهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ هُوَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى: نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: مَا قَتَلَهُ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ السُّدِّيُّ: اخْتِلَافُهُمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا؟ وَإِنَّ كَانَ هَذَا صَاحِبَنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النساء: ١٥٧] مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّهُ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] لَكِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ فِي قَتْلِهِ. قَالَ اللَّهُ ﷻ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] أَيْ: مَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا.
[١٥٨] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقيل: قوله ﴿يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] تَرْجِعُ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] كَلَامٌ تَامٌّ تَقْدِيرُهُ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَقِينًا، وَالْهَاءُ فِي (مَا قَتَلُوهُ) كِنَايَةٌ عَنْ عِيسَى ﵇، وَقَالَ الْفَرَّاءُ ﵀: معناه وما قتلوا الذين ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى يَقِينًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ معناه: وما قَتَلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٥٨] مَنِيعًا بِالنِّقْمَةِ مِنَ الْيَهُودِ، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] حكم باللعنة والغضب عليهم.
[١٥٩] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أَيْ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى ﵇، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ العلم، وقوله ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْكِتَابِيِّ، وَمَعْنَاهُ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى ﵇ قَبْلَ موته، إذا وقع في اليأس حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ سَوَاءٌ احْتَرَقَ أَوْ غَرَقَ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدَارٌ أَوْ أَكَلَهُ سَبْعٌ أَوْ مَاتَ فَجْأَةً، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ ابن طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃. قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَرَأَيْتَ أن من خَرَّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، قَالَ: فَقِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَ عُنُقُ أَحَدِهِمْ؟ قَالَ: يَتَلَجْلَجُ بِهِ لِسَانُهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْهَاءَ فِي (مَوْتِهِ) كِنَايَةٌ عَنْ

1 / 213