329

قال صالح: فمت إليه لأسلم عليه فأقبل علي القوم فقال: انظروا كيف تكونون غدا بين يدي الله في مجمع القيامة. قال: فسلمت عليه فرد علي وقال: من أنت يرحمك الله? قلت أنا صالح المري، قال: أنت الفتى القارئ، أنت أبو بشر? قلت: نعم، قال: اقرأ يا صالح فابتدأت فقرأت فما استتممت الاستعاذة حتى خر مغشيا عليه. ثم أفاق إفاقة فقال عد في قراءتك يا صالح، فعدت فقرأت: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا الفرقان: 23 قال: فصاح صيحة ثم انكب لوجهه وانكشف بعض جسده فجعل يخور كما يخور الثور ثم هدأ فدنونا منه ننظر فإذا هو قد خرجت نفسه كأنه خشبة.

قال: فخرجنا فسألنا: هل له أحد? قالوا: عجوز تخدمه تأتيه الأيام فبعثنا إليها فجاءت فقالت: ما له? قرئ عليه القرآن فمات قالت: حق له والله، من ذا الذي قرأ عليه? لعله صالح القارئ? قلنا: نعم وما يدريك من صالح? قالت: لا أعرفه غير أني كثيرا ما كنت أسمعه يقول: إن قرأ علي صالح قتلني. قلنا: فهو الذي قرأ عليه قالت: هو الذي قتل حبيبي فهيأناه ودفناه. رحمه الله.

عبد الله بن غالب الحداني

قال عبد الله بن غالب الحداني لما برز للعدو: على ما آسى من الدنيا فوالله ما فيها للبيب جذل، والله لولا محبتي لمباشرة السهر بصفحة وجهي وافتراش الجبهة لك يا سيدي والمراوحة بين الأعضاء في ظلم الليل رجاء ثوابك وحلول رضوانك لقد كنت متمنيا لفراق الدنيا وأهلها.

قال: ثم كسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل، قال: فحمل من المعركة وإن به لرمقا فمات دون العسكر، فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك، قال: فرآه رجل من إخوانه في منامه فقال: يا أبا فراس ما صنعت? قال: خير الصنيع قال: إلى ما صرت? قال: إلى الجنة. قال: ثم قال: بحسن اليقين وطول التهجد وظمأ الهواجر. قال: فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك? قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. قال: قلت أوصني. قال: اكسب لنفسك خيرا لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلا.

Page 333