الوجه الثاني:
أن يُعين الكفارَ على المسلمين بأي إعانة، ويكون الحامل له على ذلك مصلحة شخصية، أو خوفًا، أو عداوة دنيويّة بينه وبين من يقاتله الكفار من المسلمين، فهذه الإعانة محرمة، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنها ليست من الكفر المخرج من الملة.
ومن الأدلة على أن هذه الإعانة غير مكفرة: ما حكاه الإمام الطحاوي من إجماع أهل العلم على أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله، ومقتضى ما حكاه الطحاوي أنه غير مرتد.
ومستند هذا الإجماع الذي حكاه الإمام الطحاوي ﵀: أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ قد جسَّ على النَّبِيِّ - عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم - وعلى المسلمين في غزوة فتح مكة، فكتب كتابًا إلى مشركي مكة يخبرهم فيه بمسير النَّبِيّ ﷺ إليهم، وكان النَّبِيُّ ﵊ قد أخفى وجهة سيره، لئلا تستعد قريش للقتال، وكان الدافع لحاطب ﵁ لكتابة هذا الكتاب هو مصلحة شخصية، ومع ذلك لم يحكم النَّبِيّ ﷺ بردته، ولم يُقمْ عليه حدَّ الردة، فدلَّ ذلك على أن ما عمله ليس كفرًا مخرجًا من الملة.
وهذا كله إنما هو في حق من كان مختارًا لذلك، أما من كان مكرهًا أو ملجِئًا إلى ذلك إلجاءًا ضطراريًا كمن خرج مع الكفار لحرب المسلمين مكرهًا ونحو ذلك فلا ينطبق عليه هذا الحكم لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].