358

Mukhtaṣar al-Ṣawāʿiq al-Mursala ʿalā al-Jahmiyya waʾl-Muʿaṭṭila

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Editor

سيد إبراهيم

Publisher

دار الحديث

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة - مصر

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] فَلَيْسَ تَرْتِيبًا لِإِطْلَاعِهِ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبٌ لِمُجَازَاتِهِمْ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الشَّهَادَةَ الَّتِي هِيَ عِلْمُهُ وَلِإِطْلَاعِهِ تَقْرِيرًا لِلْجَزَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي وَضْعِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ مَوْضِعَ الْجَزَاءِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنِّي أَعْلَمُ مَا تَفْعَلُهُ، وَأَنَا قَادِرٌ عَلَيْكَ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِ الْعِقَابِ وَأَعَمُّ فَائِدَةً.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ؟
قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ
قُلْنَا: أَيُّ شَاعِرٍ هَذَا حَتَّى يُحْتَجَّ بِقَوْلِهِ، وَأَيْنَ صِحَّةُ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِشِعْرِهِ؟ وَأَنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ شِعْرًا لَا تَعْلَمُونَ قَائِلَهُ وَلَا تُسْنِدُونَ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ فَاضِلَكُمُ الْمُتَأَخِّرَ لَمَّا تَفَطَّنَ لِهَذَا ادَّعَى الْإِجْمَاعَ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصْلًا، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَظْهَرُ مُنَاقَضَةً، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ وَعَرْشُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَاءِ، وَهَذِهِ وَاوُ الْحَالِ، أَيْ خَلَقَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَدَلَّ عَلَى سَبْقِ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ " «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» "، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ الْقَلَمِ، لِمَا فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، قَالَ اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، وَأَخْبَرَ فِي هَذَا

1 / 375