356

Mukhtaṣar al-Ṣawāʿiq al-Mursala ʿalā al-Jahmiyya waʾl-Muʿaṭṭila

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Editor

سيد إبراهيم

Publisher

دار الحديث

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة - مصر

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِهِ (شِعَارِ الدِّينِ) قَالَ: الْقَوْلُ فِي أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَدِلَّةَ فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ مَا تَلَوْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْآيِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُسْلِمِينَ خَاصِّهِمْ وَعَامِّهِمْ بِأَنْ يَدْعُوا رَبَّهُمْ عِنْدَ الِابْتِهَالِ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ وَيَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، وَذَلِكُمْ لِاسْتِفَاضَةِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ الْمَدْعُوَّ فِي السَّمَاءِ سُبْحَانَهُ.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ، وَنَزَعَ فِيهِ إِلَى بَيْتٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَقُلْهُ شَاعِرٌ مَعْرُوفٌ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِوَاءُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَكَانَ الْكَلَامُ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَكُلِّ قَطْرٍ وَبُقْعَةٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَتَحْتَ الْعَرْشِ، فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِهِ الْعَرْشَ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِيلَاءَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمَنْعِ مِنَ الشَّيْءِ، فَإِذَا وَقَعَ الظَّفَرُ بِهِ قِيلَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَأَيُّ مَنْعٍ كَانَ هُنَاكَ حَتَّى يُوصَفَ بِالِاسْتِيلَاءِ بَعْدَهُ؟ هَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِكَلَامِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ صَاحِبٌ وَلَا تَابِعٌ، وَلَا قَالَهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ الَّذِينَ يَحْكُونَ أَقْوَالَ السَّلَفِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ".
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ إِحْدَاثَ الْقَوْلِ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً فِي نَفْسِهِ، أَوْ تَكُونَ أَقْوَالُ السَّلَفِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ خَطَأً، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْغَلَطِ وَالْخَطَأِ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدِ اطَّرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ وَرَدَ بِلَفْظِ الِاسْتِوَاءِ دُونَ الِاسْتِيلَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى لَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَكْثَرِ مَوْرِدِهِ كَذَلِكَ، فَإِذَا جَاءَ مَوْضِعٌ أَوْ مَوْضِعَانِ بِلَفْظِ اسْتَوَى حُمِلَ عَلَى مَعْنَى اسْتَوْلَى لِأَنَّهُ الْمَأْلُوفُ الْمَعْهُودُ، وَأَمَّا أَنْ يَأْتِيَ إِلَى لَفْظٍ قَدِ اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَدَّعِي صَرْفَهُ فِي الْجَمِيعِ إِلَى مَعْنًى لَمْ يَعْهَدِ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ وَيَفْعَلْهُ مِنْ قَصْدِ الْبَيَانِ، هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاقِ مَا يَأْتِي حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الَّذِي اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَكَيْفَ وَفِي السِّيَاقِ مَا يَأْبَى ذَلِكَ.

1 / 373