369

Mukhtaṣar Minhāj al-Qāṣidīn

مختصر منهاج القاصدين

Editor

شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط

Publisher

مكتبة دار البيان

Publication Year

1398 AH

Publisher Location

دمشق

وأما الثاني: فنحو أن يصدق في العزم وتسخو النفس بالوعد، لأنه لا مشقة فيه إلا إذا تحققت الحقائق، وانجلت العزيمة، وغلبت الشهوة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وقال في آية أخرى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
الرابع: الصدق في الأعمال، وهو أن تستوي سريرته وعلانيته، حتى لا تدل أعماله الظاهرة من الخشوع ونحوه على أمر في باطنه، ويكون الباطن بخلاف ذلك. قال مطرف: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله ﷿: هذا عبدى حقًا.
الخامس: الصدق في مقامات الدين، وهو أعلى الدرجات، كالصدق في الخوف والرجاء والزهد والرضى والحب والتوكل، فإن هذه الأمور لها مبادئ ينطلق عليها الاسم بظهورها، ثم لها غايات وحقائق، فالصادق المحقق من نال حقيقتها، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمى صاحبه صادقًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ..﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
ولنضرب للخوف مثلًا فنقول: ما من عبد يؤمن بالله إلا وهو خائف من الله خوفًا يطلق عليه الاسم وهو غير بالغ إلى درجة الحقيقة، ألا تراه إذا خاف سلطانًا كيف يصفر ويرتعد خوفًا من وقوع المحذور، ثم إنه يخاف النار ولا يظهر عليه شئ من ذلك عند فعل المصيبة، ولذلك قال عامر بن عبد قيس: عجبت للجنة نام طالبها، وعجبت للنار نام هاربها.
والتحقيق في هذه الأمور عزيز جدًا، فلا غاية لهذه المقامات حتى نال تمامها، ولكن لكل حظ بحسب حاله، إما ضعيف وإما قوى، فإذا قوى سمى صادقًا، وإذا علم الله من عبد صدقًا صغى له، والصادق في جميع هذه المقامات عزيز، وقد يكون للعبد صدق في بعضها دون بعض. ومن علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعًا وكراهة اطلاع الخلق على ذلك.

1 / 369