وكذلك كل من يسافر في طلب الربح، فإنه يدرك مشقة السفر، لكن حبه لثمرة سفره طيب عنده تلك المشقة، وجعله راضيًا بها، وكل من أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين، فانه يتوقع الأجر فوق ما فاته، فيرضى بما أصابه، ويشكر الله تعالى عليه، ويجوز أن يغلبه الحب، بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه، ويبطل الإحساس بالألم لفرط الحب، وليس ذلك بعجيب، فان الرجل المحارب في حال غضبة أو خوفه، تصيبه الجرحات ولا يحس بها، ولا يشعر بها في تلك الحال، وذلك لأن قلبه مستغرق، وإذا كان القلب مستغرقًا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه، وذلك موجود في المشاهدات.
قال الجنيد رحمة الله: سألت سريًا: هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا.
وقد روينا عن خلق كثير من أهل البلاء، أنهم كانوا يقولون: لو قطعنا إربًا إربًا، ما ازددنا له إلا حبًا.
وقد تقدم أن فرط الحب يزيل إحساس الألم، وهو متصور في حب الخلق، كما حكى بعضهم. قال: كان في جيراننا رجل له جارية يحبها، فاعتلت، فجلس يصلح لها حساء (١)، فبينا هو يحرك القدر، قالت: أوه، فدهش وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك القدر بيده حتى تساقطت أصابعه وهو لا يعلم. ويؤيد هذا قصة النسوة حين شاهدن يوسف ﵇، فإنهن قطعن الأيدي، وما أحسن بألم، فقد بان بما ذكرنا أن الرضى بما يخالف الهوى ليس مستحيلًا، وإذا كان ذلك ممكنًا في حق الخلق وحظوظهم، كان ممكنا في حق الله سبحانه، وحظوظ الآخرة بطريق الأولى.
وإمكان ذلك في ثلاثة أوجه:
أحدهما: علم المؤمن بأن تدبير الله تعالى خير من تدبيره.
وقد قال النبي ﵌: "ما قضى الله لمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له".
وعن مكحول قال: سمعت ابن عمر رضى الله عنه يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسقط فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له.
(١) بالفتح والمد: طعام يتخذ من دقيق وماء ودهن، وقد يحلى ويكون رقيقًا يحسى.