اتباع الهوى، ويعرض عن دعة الكسل، ولا يزال مواظبًا على طاعة الله تعالى متقربًا إليه بالنوافل.
ومن أحب الله فلا يعصيه، إلا أن العصيان لا ينافى أصل المحبة، إنما يضاد كمالها، فكم من إنسان يحب الصحة ويأكل ما يضره، وسببه أن المعرفة قد تضعف والشهوة قد تغلب، فيعجز عن القيام بحق المحبة، ويدل على ذلك حديث نعيمان أنه كان يؤتى به إلى رسول الله ﵌ فيحده (١) إلى أن أتى به يومًا، فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﵌: "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله" فلم تخرجه المعصية عن المحبة، وإنما تخرجه عن كمال المحبة.
ومن العلامات أن يكون مستهترًا بذكر الله تعالى، لا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو عنه قلبه، فإن من أحب شيئًا أكثر من ذكره بالضرورة، ومن ذكر ما يتعلق به.
فعلامة حب الله تعالى حب ذكره، وحب القرآن الذي هو كلامه، وحب رسول الله ﵌.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال بعض السلف: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة، فكنت أدمن قراءة القرآن، ثم لحقني فترة فانقطعت، فرأيت في المنام قائلا يقول:
إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي
أما تدبرت ما فيـ ... ـه من لطيف عتابي
ومنها أن يكون أنسه بالخلوة، ومناجاة الله تعالى، وتلاوة كتابه، فيواظب على التهجد، ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق، فان أقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب، والتنعم بمناجاته.
روى أن عابدًا عبد الله غيضة دهرًا، فنظر إلى طائر قد عشش في شجرة يأوى إليها، ويصفر عندها. فقال: لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة كنت آنس بصوت
(١) أي يقيم عليه الحد وهو نعيمان بن عمرو بن رفاعة، وكان كثير المزح.