340

Mukhtaṣar Minhāj al-Qāṣidīn

مختصر منهاج القاصدين

Editor

شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط

Publisher

مكتبة دار البيان

Publication Year

1398 AH

Publisher Location

دمشق

قطر بعيد، فإنك تحبه، وتجد في نفسك ميلًا كثيرًا إليه. فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن، فضلا عن أن يكون محسنًا إليك. وهذا ما يقتضي حب الله تعالى، بل يقتضي أن لا يحب غيره، إلا بحيث أن يتعلق منه بسبب، فإنه سبحانه هو المحسن إلى الكل كافة، بإيجادهم وتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم وترفيههم، إلى غير ذلك من النعم التي لا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]. فكيف يكون غيره محسنًا؟ وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته، فمن عرف هذا لم يحب إلا الله تعالى.
وكذلك نقول: كل من كان متصفًا بالعلم، أو بالقدرة أو كان متنزهًا عن الصفات الرذيلة، فإن ذلك يوجب له المحبة. فصفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعًا، ترجع إلى علمهم بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه، إلى قدرتهم على إصلاح نفوسهم والى تنزيههم عن الرذائل والخبائث ولمثل هذه الصفات تحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإذا نسبت هذه الصفات إلى صفات الله تعالى، وجدتها مضمحلة بالنسبة إلى صفاته ﷾.
أما العلم، فإن علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل، حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وقد خاطب الخلق كلهم فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
ولو أجتمع أهل السموات والأرض، على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة، لم يطلعوا على عشر عشر ذلك، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، والقدر اليسير الذي علمه الخلق كلهم، بتعليمه، علموه. ففضل علم الله سبحانه على علم الخلائق كلهم خارج عن النهاية، إذ معلوماته لا نهاية لها.
وأما صفة القدرة، فهي أيضًا صفة كمال، فإذا نسبت قدرة الخلق كلهم إلى قدرة الله تعالى، وجدت أعظم الأشخاص قوة، وأوسعهم ملكًا، وأقواهم بطشًا، وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره، غاية قدرته أن يقدر على بعض صفات نفسه، وعلى بعض امتحان الإنس في بعض الأمور، وهو مع ذلك لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا يملك موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى، ولا على حفظ لسانه من الخرس، ولا آذانه من الصمم، ولا بدنه من المرض، ولا يقدر

1 / 340