وفى الجملة فالزاهد يقصد ما يصلح به بدنه، ولا يزيد في التنعم، إلا أن الأبدان تختلف، فمنها ما لا يحمل التخشن.
وقد يدخر بعض الناس الزاد الحلال بتقوته، فلا يخرجه ذلك من الزهد، فقد كان السبتي يعمل من السبت إلى السبت ويتقوته.
وورث داود الطائى عشرين دينارًا، فأنفقها في عشرين سنة.
الثاني: الملبس، فالزاهد يقتصر فيه على ما يدفع الحر والبرد، ويستر العورة، ولا بأس أن يكون فيه نوع تجمل، لئلا يخرجه التقشف إلى الشهرة. وكان أكثر لباس السلف خشنًا، فصار لبس الخشن شهرة.
وقد روى عن أبى بردة قال: أخرجت إلينا عائشة رضى الله عنها كساء ملبدًا، وإزارًا غليظًا، وقالت: قبض رسول الله ﵌ في هذين. أخرجاه في "الصحيحين".
وعن الحسن قال: خطب عمر رضى الله عنه وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة.
الثالث: المسكن، فللزاهد فيه ثلاث درجات.
أعلاها: أن لا يطلب موضعًا خاصًا لنفسه، بل يقنع بزوايا المساجد، كأصحاب الصفة.
وأوسطها: أن يطلب موضعًا خاصًا لنفسه، مثل كوخ في سعف، أو خص وما أشبه ذلك.
وأدناها: أن يطلب حجرة مبنية. ومتى طلب السعة وعلو السقف، فقد جاوز حد الزهد في المسكن. وقد توفى رسول الله ﵌ ولم يضع لبنة على لبنة.
قال الحسن: كنت إذا دخلت بيوت رسول الله ﵌، نلت السقف.
وفى الحديث: "إن المسلم ليؤجر في كل شئ ينفقه إلا في شئ يجعله في هذا التراب".