240

Mukhtaṣar al-Muzanī

مختصر المزني

Publisher

دار الفكر

Edition

الثانية

Publication Year

1403 AH

Publisher Location

بيروت

مُخْتَصَرُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ وَمِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَمِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): فِيمَنْ حُرِّمَ مَعَ الْقَرَابَةِ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَقَالَ ﷺ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ».
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀ فَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يَحْرُمُ كَمَا تَحْرُمُ وِلَادَةُ الْأَبِ وَسَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا غُلَامًا وَالْأُخْرَى جَارِيَةً هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ؟ فَقَالَ: لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ وَقَالَ مِثْلَهُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀ فَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ فَكُلُّ مَا حُرِّمَ بِالْوِلَادَةِ وَبِسَبَبِهَا حُرِّمَ بِالرَّضَاعِ وَكَانَ بِهِ مِنْ ذَوِي الْمَحَارِمِ وَالرَّضَاعُ اسْمٌ جَامِعٌ يَقَعُ عَلَى الْمَصَّةِ وَأَكْثَرَ إلَى كَمَالِ الْحَوْلَيْنِ، وَعَلَى كُلِّ رَضَاعٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَوَجَبَ طَلَبُ الدَّلَالَةِ فِي ذَلِكَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ " ثُمَّ نُسِخْنَ " بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ " فَتُوُفِّيَ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ فَكَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إلَّا مَنْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ».
(قَالَ الْمُزَنِيّ) ﵀ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَفَسَمِعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ وَحَفِظَ عَنْهُ وَكَانَ يَوْمَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ، وَعَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَتَحْرُمُ بِهِنَّ».
(قَالَ): فَدَلَّ مَا وَصَفْت أَنَّ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ كَمَا جَاءَ الْقُرْآنُ بِقَطْعِ السَّارِقِ فَدَلَّ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْضَ السَّارِقِينَ دُونَ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ أَبَانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ بَعْضُ الزُّنَاةِ دُونَ بَعْضٍ لَا مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ سَرِقَةٍ وَزِنًا وَكَذَلِكَ أَبَانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْضُ الْمُرْضِعِينَ دُونَ بَعْضٍ وَاحْتَجَّ فِيمَا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَهْلَةَ بِنْتِ سَهْلٍ لَمَّا قَالَتْ لَهُ: كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فَضْلٌ وَلَيْسَ لَنَا إلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ فَمَاذَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ ﵇ فِيمَا بَلَغَنَا أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا فَفَعَلَتْ فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنْ الرَّضَاعَةِ» فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ ﵂ فِيمَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَقُلْنَ: مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ ﷺ إلَّا رُخْصَةً فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ فِي الْحَدِيثِ: هُوَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): فَإِذَا كَانَ خَاصًّا فَالْخَاصُّ مُخْرَجٌ مِنْ الْعَامِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فَجَعَلَ الْحَوْلَيْنِ غَايَةً وَمَا جُعِلَ لَهُ غَايَةً فَالْحُكْمُ بَعْدَ مُضِيِّ الْغَايَةِ خِلَافُ الْحُكْمِ قَبْلَ الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فَإِذَا مَضَتْ الْأَقْرَاءُ فَحُكْمُهُنَّ بَعْدَ مُضِيِّهَا خِلَافُ حُكْمِهِنَّ فِيهَا.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عِنْدِي عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ بِتَأْقِيتِ حَمْلِهِ وَفِصَالِهِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا كَمَا نَفَى تَوْقِيتُ الْحَوْلَيْنِ الرَّضَاعَ لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَكَانَ عُمَرُ ﵁ لَا يَرَى رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵄ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، قَالَ: وَلَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي الْحَوْلَيْنِ قَالَ:

8 / 332