159

Al-Muḥarrar al-Wajīz fī Tafsīr al-Kitāb al-ʿAzīz

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

Editor

عبد السلام عبد الشافي محمد

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الاولى

Publication Year

1413هـ- 1993م

Publisher Location

لبنان

والمنسوخ عند أئمتنا الحكم الثابت نفسه لا ما ذهبت إليه المعتزلة من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة وأن الحسن صفة نفسية للحسن ومراد الله تعالى حسن وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ترتبط بالإرادة وعلى أن الحسن والقبح في الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نفسية

والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ولو ثبت قطعا تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا

والنسخ لا يجوز في الإخبار وإنما هو مختص بالأوامر والنواهي ورد بعض المعترضين الأمر خبرا بأن قال أليس معناه واجب عليكم أن تفعلوا كذا فهذا خبر والجواب أن يقال إن في ضمن المعنى إلا أن أنسخه عنكم وأرفعه فكما تضمن لفظ الأمر ذلك الإخبار كذلك تضمن هذا الاستثناء

وصور النسخ تختلف فقد ينسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين وقد ينسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان وقد ينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى والنسخ التام أن تنسخ التلاوة والحكم وذلك كثير ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم وقد ينسخ الحكم دون التلاوة كصدقة النجوى وكقوله تعالى ^ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ^ الممتحنة 11 والتلاوة والحكم حكمان فجائز نسخ أحدهما دون الآخر

وينسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد وهذا كله متفق عليه وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة وذلك موجود في قوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وهو ظاهر مسائل مالك رحمه الله وأبى ذلك الشافعي رحمه الله والحجة عليه من قوله إسقاطه الجلد في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة

فعل النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك حذاق الأئمة على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة فإن الصلاة إلى الشام لم تكن قط في كتاب الله وفي قوله تعالى ^ فلا ترجعوهن إلى الكفار ^ الممتحنة 10 فإن رجوعهن إنما كان يصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا واختلفوا هل وقع شرعا فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء في التحول إلى القبلة وأبى ذلك قوم ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس أن لا يخالف نصا وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم وأما بعد موته واستقرار الشرع فأجمعت الأمة أنه لا نسخ

ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فنعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن

وقال بعض المتكلمين النسخ الثابت متقرر في جهة كل أحد علم الناسخ أو لم يعلمه والذي عليه الحذاق أنه من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول فإذا بلغه الناسخ طرأ عليه حكم النسخ والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله وهو موجود في كتاب الله تعالى في قصة الذبيح

Page 191