366

Al-Lāmiʿ al-ʿAzīzī sharḥ Dīwān al-Mutanabbī

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

الريف: ما أحدق بسواد العراق وأشرف عليه من نجد، والريف أيضا رستاق مصر وقراها - وهو المراد ها هنا - وهو ما كان تحت النيل، وما كان فوقه الصعيد، والنيل: نهر مصر، وهو أيضًا نهر بالعراق جاء من الفرات، ويسقي سواد الكوفة.
يقول: إن عشت لي أعطيتني من المال ما أشتري به من المماليك، وأسمي ألفًا منهم كافورًا، وحصل لي من جهتك ريف ونيل: أي تملك مصر كلها وتهب لي ما على النيل من ريفه.
ما أبالي إذا اتّقتك المنايا ... من دهته حبولها والخبول
الحبول: الدواهي والخبول: الفساد.
يقول: إذا سلمت من المنايا فلا أبالي بمن أصابته المنايا، فإنك عوض عن كل هالك.
وورد المستنفرون من الثغور على سيف الدولة، يذكرون إحاطة الدمستق وجيوش النصرانية بطرسوس واستسلام أهلها إن لم يغاثوا، أو يبادروا، وكان في بقية علة عرضت له، فبرز للوقت وسار، وكان الدمستق قد شحن الدرب الذي يلي الثغور والشام بالرجال، فلما اتصل بالدمستق خبره أفرج عن منازلة طرسوس، وولي على عقبه قافلًا إلى بلده ولم يظفر بشيء، وبلغ الخبر أبا الطيب وكتب إليه سيف الدولة كتابًا يستدعيه فأجابه في شوال. سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة.
فهمت الكتاب أبرّ الكتب ... فسمعًا لأمر أمير العرب
سمعًا: نصب على المصدر، وكذلك في البيت الذي يليه، وهو قوله: طوعًا وابتهاجًا وأبر الكتب: أي أصدقها. وقيل: أبلغ الكتب وأصدقها في البر بالمكتوب إليه.
وطوعًا له وابتهاجًا به ... وإن قصّر الفعل عمّا وجب
الابتهاج: الفرح، والهاء في به وله للكتاب، ويجوز أن يكون ضمير الأمير: أي سميع مطيع لأمرك، وإن كنت مقصرًا عن واجب حقك.
وقيل: معناه أنا مطيع لك، وإن كنت مقصرًا في حقي.
وما عاقني غير خوف الوشاة ... وإنّ الوشايات طرق الكذب
ما عاقني: أي ما منعني.
يقول: ما منعني من خدمتك وقصدي إليك إلا ما سعى بي إليك السعاة من السعايات، وأنواع الوشايات، فكانوا يغرونك بي وبالإساءة إلي، والوشايات طرق الكذب يعني إنهم إذا وشوا كذبوا، وزادوا، فالوشايات لا بد لها من الكذب والزيادة.
وتكثير قومٍ وتقليلهم ... وتقريبهم بيننا والخبب
التقريب؛ ضرب من سير الفرس، والخبب: السير السريع، وعنى بها ها هنا السعاية.
يقول: إنما منعني من خدمتك قول الوشاة، وتكثيرهم قولهم مرة، وتقليلهم أخرى، وتقريبهم وتخببهم في الإفساد بيني وبينك. يعني: أنهم يستعملون كيدهم من كل وجه.
وقد كان ينصرهم سمعه ... وينصرني قلبه والحسب
يقول: إنه كان يسمع من الوشاة ما يقولون، وهذا ينصرهم، ولكن كان قلبه وكرمه معي، لأنه لم يصدقهم على قولهم، فهذا كان نصرة لي.
وما قلت للبدر أنت الّلجين ... ولا قلت للشّمس أنت الذّهب
يقول: لم أنقص من مدحك شيئًا، كما ينقص من البدر إذا شبه بالفضة، والشمس إذا شبهت بالذهب، حتى تغريهم بي وتغضب علي.
فيقلق منه البعيد الأناة ... ويغضب منه البطيء الغضب
يقول: ما قلت له ما يوجب نقصًا له حتى يقلق ويضطرب مع حلمه وأناته ومعنى قوله: البعيد الأناة هو تمام الحلم وغاية الرفق، كما يقال: بعيد الغور أي ما قلت شيئًا ينكره، حتى يغضب البطيء الغضب، وأراد بالبعيد الأناة والبطيء الغضب: سيف الدولة.
وما لاقني بلدٌ بعدكم ... ولا اعتضت من ربّ نعماي رب
ما لاقني: أي حبسني. يقال: دخلت المدينة فما لاقتني، أي: ما أعجبتني وما حبستني. ويقال: لاقني وألاقني، ومنه قولهم: لقت الدواة ولقتها بكسر اللام وضمها: إذا حركتها ليعلق بها المداد، ويقال للكرسفة الليقة. وقوله: من رب نعماي رب في موضع النصب، وكان من حقه أن يقول: ربًا لأن المنصوب المنون إذا وقف عليه أبدل التنوين ألفًا، ولكنه أجراه مجرى المرفوع والمجرور في إسقاط التنوين في الوقف، ومثل هذا جائز في القافية، وخفف الباء أيضًا؛ لأن الحرف المشدد إذا وقع حرف الروى خفف.
يقول: ما حبسني بلد منذ فارقتكم، ولا وجدت من جميع الملوك عوضًا عنكم. وخاطبه بخطاب الجمع: تعظيمًا له وتفخيمًا لقدره.
ومن ركب الثّور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب
غبب الثور وغبغبه: ما تدلى تحت حلقه.

1 / 366